السبت 22 يوليو/تموز 2017
جديد القومي
أقوال الزعيم
رسالة تموز 2016 م طباعة البريد الإلكترونى
عمدة الداخلية   
الأربعاء, 06 يوليو/تموز 2016 20:16
AddThis

 

بيّنة كالوضوح، صعبة حتى المستحيل، هي الكتابة عن سعاده. لا تعرف من أين ولا كيف ولا ماذا تتناول في فكره وحياته، رغم كلّ الانسجام والاتّساق في العقيدة وفي التمرّس. هو أقرب من الأرض إليك، وأنت تسعى دائمًا إليه. كلّ دورة تكتشف فيه فكرًا خطّه أو عملًا قام به. ها هو جنين يتحسّس في بداية تكوينه نسيم البحر وصقيع الثلج، ومولود يرضع الخير من أمّه بينما نظراته تتسلّق صنوبرات التلال، ليرتقي بعدها جسدُه "النحليّ" سارية علم غريب يسقطه عنها. ويشدّ الحزام ليتخطّى قَرص جوعه حين "مات أهلي"...

 

هاجر فتى، وعانى من النفسية التخاذلية، ودعا كوالده إلى النهوض بشعبه في الجالية السورية في بلاد الاغتراب، ولكن مواطنين سوريّين ضنّوا حتى بالمال على أهلهم، فقد أثّرت فيهم التربية الفردية الأنانية أو الطائفية، فأداروا ظهرهم لهموم بلادهم. انتمى إلى جمعيّات وأسّس أحزابًا، ولكن لا جدوى تُنتظر. عاد سعاده من المهجر عام 1930، ولكن ليس إلى بيته، فقد دمّرته الحرب، فـ"عرزل" حياته على مطلّ من بحر وجبل، وتابع محاولاته في تأسيس حركة صراعية إلّا أنّ مقولة "أفضل لك أن تُقيم الموتى..." كانت الجواب على عمله. ولكن إرادة سعاده لم تهن، وكان تأسيسه الحزب السوري القومي في خريف 1932 من طلاب خمسة استمر منهم ثلاثة. وكان العمل سريًّا حتى خريف 1935.

مرّت أربع فترات سجن في حياة سعاده في الوطن، وواحدة في البرازيل، فكيف تعامل مع فترات سجنه وما هي إنتاجاته الفكرية الإبداعية ووقفات عزّه؟
لا يمكن الادّعاء أنّنا نستطيع الإحاطة بكلّ ما عاناه وقدّمه سعاده في نهارات وليالي سجونه، إلا أنّنا نسعى أن نقترب منه بعض خطوات تجعلنا نتحرّر قليلًا، بسجنه، من قيودٍ ما زال يُسمع صوت رنينها.

أُولى هذه الجولات، كانت في سجن الرمل في بيروت إثر انكشاف أمر الحزب في 16 تشرين الثاني 1935، استمرّت حوالي ستة أشهر، فخرج في 12 أيار 1936.

  • بيّن خلالها الغاية من تأسيس الحزب في رسالةٍ إلى المحامي حميد فرنجية تحت عنوان "في ما دفعني إلى تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي" حيث يحسم فيها: "أنّ فقدان السيادة القومية هو السبب الأول في ما حلّ بأمّتي... أخذتْ أهمية معنى الأمّة وتعقّدها في العوامل المتعدّدة تنمو نموّها الطبيعي في ذهني... ورأيتُ أن أسير إلى السياسة باختطاط طريق نهضة قومية اجتماعية جديدة... وجدتُ أن لا بدّ لي من إيجاد وسائل تؤمّن حماية النهضة القومية الاجتماعية... فأسّستُ الحزب السوري القومي الاجتماعي... ووضعت المبادئ... وجعلتُ نظامه فرديًّا في الدرجة الأولى، مركزيًّا متسلسلًا...".
  • تابع سعاده في سجنه الأول تأليف كتاب "نشوء الأمم"، الجزء الأول، وهو "كتاب اجتماعي علميّ بحت" يتناول "تعريف الأمّة وكيفية نشوئها ومحلّها في سياق التطور الإنساني وعلاقتها بمظاهر الاجتماع... ومنذ ألّف ابن خلدون مقدّمة تاريخه المشهورة، ووضع أسس علم الاجتماع، لم يخرج في اللّغة العربية مؤلّفٌ ثان..." وكان لسعاده رأيه الثابت في مقدّمة كتابه هذا وهو أنه "لا تخلو أمّة من الدروس الاجتماعية العلمية إلا وتقع في فوضى العقائد وبلبلة الافكار".
  • وجاءت المحاكمة في 23 من كانون الثاني 1936 وكانت "المعركة التاريخية الأولى"، حيث "لم يكن لهذا الموقف سابقة في تاريخ سورية منذ نحو عشرين قرنًا..." إنّ وقفة هذا الفتى أمام "المحكمة المختلطة" قد ألقت "على أتباعه دروسًا في الإقدام والبطولة الخالدة" ونزعت "الخوف من قلب شعبه" وأعادت "إليه ثقته بنفسه وبحقّه في الحياة المُثلى والخلود"...

هذا غيض من فيض سعاده في سجنه الأوّل.


أمّا السجن الثاني فكان في العام نفسه الذي خرج فيه، من 30 حزيران حتى 12 تشرين الثاني، وذلك على أثر انكشاف "مرسوم الطوارئ" أمام السلطات الفرنسية المنتدبة خلال حملة اعتقالاتها الثانية، وبسبب انتقاده العودة للمفاوضات مع فرنسا.

  • وضع سعاده خلال سجنه الثاني النشيد الرسمي "سورية لك السلام".
  • شرح سعاده مبادئ الحزب.
  • وفي مقالة "لو لم أكن أنا نفسي" يُظهر سعاده مكنوناته النفسية والفكرية والجمالية... ومحبّته لبلاده وثقته بنفسه، حيث يختم: "لو لم أكن أنا نفسي لأردت أن أكون أنا نفسي".

 

السجن الثالث كان في 9 آذار حتى 15 أيّار عام 1937، نتيجة لـ"يوم بكفيا" وخطاب سعاده للأول من آذار.

  • تركّزت هذه الفترة على التفاهم بين سعاده و"السلطة" حيث طالبها بحرية العمل الحزبي وربما ساعد في هذا الأمر اقتراب موعد إجراء الانتخابات النيابية من جهة، وحاجة سعاده لمتابعة العمل البنائي التأسيسي من جهة ثانية.

 

سجنه الرابع في البرازيل من 23 آذار 1939 إلى 30 نيسان، بسبب وشاية مفادها أنّ سعاده ملاحقٌ من السلطات الفرنسية في لبنان، وأنّه متعاملٌ مع ألمانيا وإيطاليا.

  • خلال فترة السجن هذه، ورغم حالته الصحية المتدهورة، وخصوصًا في ما خصّ جهازه الهضمي، قام سعاده بكتابة حوالي عشرين مقالاً زوّد بها "سورية الجديدة" منها: "صنّاع الجزويت يحاربون القومية السورية"، و"الحلف العربي اليهودي".
  • ومع انتهاء التحقيق، أصدر مدير الأمن العام الفدرالي في البرازيل، وهو الذي حقّق بنفسه مع سعاده، تقريرًا يقول فيه: "رجلٌ واسع الثقافة والاطّلاع ومفكرٌ كبير ووطنيٌّ صادق، أسّس في بلاده حزبًا عقائديًا ووطنيًا يعمل لاستقلالها وبعث نهضة حديثة جديدة فيها... ولا يمكن أن يكون له علاقة بإيطاليا أو ألمانيا بسبب وطنيّته ومثاليّته. إنّ الذين وشوا به خصومٌ سياسيون يضمرون له الحقد والكراهية بسبب عقيدته ونظرته للأمور، وهي تغاير نظرتهم".

 

السجن الخامس، وكان السجن الأخير والأقصر زمنيًّا في حياة سعاده، من ليل السادس حتى فجر الثامن من تموز عام 1949، سجنٌ و"تحقيقٌ" ومحاكمةٌ و"إعدام". هذا السجن الذي فتح أبوابه سعاده بعروق تفيض بدمائها عزًّا.
في هذا السجن لم يُسمح لسعاده بالكتابة ولا بمقابلة الصحافة ولا حتى برؤية زوجته وبناته. بعد خمس عشرة ساعة من بدء التحقيق صدر الحكم المبرم: الإعدام رميًا بالرصاص، في المرسوم رقم 15529 وصُدّق عليه في اليوم نفسه، ونفّذ فجرًا.
يركّز سعاده في دفاعه أمام هيئة المحكمة على:

  • المسألة الفلسطينية والخطر اليهودي.
  • موضوع التشكيك في انتمائه إلى لبنان، فيقول: "إنّني لبنانيّ صميم أبًا عن جدّ ولا أظنّ أنّه يوجد لبناني يدّعي بأنّه أكثر لبنانيّةً منّي. إنّني لم أنكر الدولة اللبنانية ولا الكيان اللبناني بل أحببتُ أن يكون لبنان مصدر انطلاق فكرة الحزب القومي الاجتماعي لمحيطه القومي...".
  • موضوع العصيان العسكري، أنكر سعاده بأنّ للحزب صلة بالفتن أو سفك الدماء... ولكن الأمر هدفه صون كرامة الحزب، فكانت الثورة... وفي الثورة يقع ضحايا من الطرفين.
  • وعند تلاوة الحكم عليه وجاهة، أو في السجن فإنّ سعاده ردّ بـ"شكرًا".
  • وفي دفاعه الأخير، يقول سعاده: "إذا قلبنا صفحات التاريخ لا نرى حكمًا مثل الحكم الذي صدر عليّ وإذا راجعنا تاريخ القرون الوسطى المتوحّشة التي كانت تُعرف بالهمجية لا نرى تدبيرًا كهذا معوجًّا. فالتاريخ لا يذكر مؤامرةً كالمؤامرة التي دُبّرت ضدّي وضدّ حزبي... أنا لا يهمّني كيف أموت بل من أجل ماذا أموت... لا أعدّ السنين التي عشتها بل الأعمال التي نفّذتها...".
  • وحين شاهد عامود إعدامه قال: "كنتُ أتوقّع هذا المصير منذ اللحظة الأولى التي اعتُقلت فيها".

 

زعيمي،
لا تزال كلمتك للتاريخ، التي لم تُقَل إلاّ بالدم، مدوّيةً في أرجاء البلاد، وساعة يدك تحسب الزمان كمال حُبٍّ، وسترتك فوق الحذاء يتكئ عليه أعظم رأس في التاريخ، أمّا ليراتك المعدودات، فتبقى لنا مخزون شرفٍ أمام كلّ الأمم، وتلك، نظرة الازدراء منهم ما زالت تلاحق الشرير وتعدمه ألف مرةٍ في اليوم، ومن فنجانك، وفي كلّ صباح، ترتشف الأجيال كرامة، وقلم الحبر لا يزال يخطّ الزمان معرفة - قوة، وتلك الابتسامة لن تنام مدى الدهر في السلام أو تحت القهر، ففي رباطة الجأش، في نبضك الطبيعي تحت كلّ الضغوط تكون الحياة كما أردت، وذاك الأساس لعرزال لم يتمّ، سنبنيه بحبّات قلوبنا، وقطعة الأرض لن تكون إلا مساحة الوطن الجميل...

زعيمي،
لك منهم، ذاك العمود وتلك القيود والبحصة، ولنا منك وبك، البناء.

 

تحيا سورية ويحيا سعاده
المركز في الثامن من تموز 2016 عميد الداخلية
الرفيق ربيع الحلبي

 

 

 

أقرّ نشر هذه الرسالة رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الرفيق الدكتور علي حيدر.

 
الدخول



الرسائل الاكترونية

الاسم:

البريد الالكتروني:

تبرعات
لتبرعاتكم : Account Number: USD 001 180 0007183 00 1

IBAN: LB33 0053 0024 0011 8000 0718 3001 SWIFT: C L B L B B X