الأحد 28 ماي/آيار 2017
جديد القومي
أقوال الزعيم
مختارات
جان داية: فرديّة تعصى على كلّ تقويم طباعة البريد الإلكترونى
نايف معتوق   
الإثنين, 07 نوفمبر/تشرين ثان 2016 07:12

في الرابع والعشرين من تشرين الأوّل 2016، نشرت جريدة النهار في عددها 26106، في صفحة "أدب فكر فنّ" مقالةً لجان داية بعنوان "نقاش في الحملة الحزبيّة القوميّة الضارية على جان داية، وفي ردّه عليها"، يصوّب فيها على الذين رفضوا ما أصدره من مقالاتٍ نسبها إلى أنطون سعاده في كتابَين: الأوّل "رأي النهضة" والثاني "رأي الجيل الجديد"؛ وأثنى على آخرين قلّةٍ جاروه في النسَب الهجين.
بدايةً أريد أن أؤكّد أنّها المرّة الأخيرة التي أكشح فيها الضبابيّة عن تعثّرات اعتدنا عليها في كتابات السيّد جان داية المأخوذ ببعض من يغدقون عليه صفاتٍ لا يمتّ إلى معظمها بنسبٍ، وإن دغدغت فرديّته التي تعصى على كلّ تقويم.
والواقع أنّني أحجمتُ عن الردّ، بمعناه الشامل، لأنّ السيّد داية بات بحاجةٍ إلى من يداوي قصوره اللغوي، وعجزه عن هضم ما لا ينسجمُ مع "همروجاته" الفرديّة، التي يخيّل إليه فيها "توقّع حفاوةٍ من كلّ المسؤولين والمثقّفين القوميين الاجتماعيين بالكتاب (رأي النهضة)، مرفقة ببطاقات تهنئة للداعي [جان داية]. فكانت المفاجأة".
يا لسوء الفرديّة التي جعلته يظنّ، وبعض الظنّ إثم، أنّ ما قام به في "رأي النهضة" و "رأي الجيل الجديد" عملٌ جبّار لم يهتدِ إليه أيُّ قوميٍّ، مسؤولًا إداريًّا كان أم غير إداريّ، أو أيٍّ من المهتمّين بعقيدة سعاده؛ وكانت الصدمة التي كان يفترض أن تعيده إلى الصواب، فإذا بها تزيد من إغراقه في أتون فرديّته وتضلّه سواء السبيل.
وقد وصل به الضلال إلى حدّ عدم فهمه مدلول الكلمات والعبارات، وليست المرّة الأولى؛ ففي كتابات سابقة صوّبنا له مدلولات بعض المفردات، واعتقدنا أنّه قد دقّق فيها، فإذا به يسقط في فخّ أغلاطه مرّة أخرى، إمّا كمن "يجدع أنفه نكايةً بوجهه"، وإمّا أنّه تجاهل التوضيحات، ولم ينصرف إلى التدقيق فيها، وهذا لا يليق، بلقبٍ مهلهل "الباحث"، فاستأنس باللقب وأصمّ أذنيه عن سماع إرشاداتٍ بانية ممّن يهتمّون بالشأن الفكري.
وبناءً عليه لن أجولَ في كمٍّ من عثراته، وأتابعه نقطة إثر نقطة، بل سأكتفي بعدد محدودٍ جدًّا منها علّها، للمرّة الأخيرة، توقظه ممّا يتخبّط به، فيسلك سواء السبيل، من جهة، ويكتشف القارئ المتابع المدى الموجع الذي وصل إليه، كونه لم يضع حدًّا لهذا المسلك المريب، من جهة أخرى:
1- فهمٌ قاصر: في سياق المكتوب والمنشور يقول السيّد داية مستعيدًا ما كتبتُه سابقًا حول "رأي النهضة" بأنّ داية أصدر الكتاب: "بدافع الشهرة على حساب الكبار، وبدفعٍ ممّن يعملون على تشويه عظمة الكبار" وكعادته ينتقي ويستنسب، فالقول الذي أوردته هو على الشكل التالي: "...فهل المقصود إثارة البلبلة والفوضى، على غرار ما يحصل بالنسبة لكثيرين من الكبار المبدعين، تارة بدافع الشهرة على حساب الكبار، وتارةً بدفعٍ ممّن يعملون على تشويه عظمة الكبار"؛ فهل إنّ وراء الأكمة ما وراءها؟
وبناءً على الاستشهاد المبتور، يطرح أسئلةً تابعة: "السيّد نايف معتوق الذي يتّهمني بالقبض من أشخاصٍ يعملون على تشويه سمعة الكبار، بماذا يجيب القاضي إذا سأله عن أسماء الأشخاص الذين دفعوا لي من أجل تشويه سمعة الكبار؟ وما هو المبلغ المدفوع؟ وهل كان بالدولار أم بالعملة اللبنانيّة؟".
قرأت الجملة الآنفة لطلّابٍ في الصفّ الأوّل ثانويّ فكان جوابهم جميعًا ما يتوافق مع واقع اللغة العربيّة. وهذا الواقع المعجميّ يوضح معنى لفظة "دفْعٍ"؛ دفعه نحّاه وأبعده وردّه؛ ودفعه إلى كذا: اضطرّه؛ ودفعه في كذا: أدخله فيه: وبالتالي هو حضّ و "دفش" (بالتعبير العامّي) للقيام بأمرٍ ما؛ أمّا أن تنقله أجنحة الخيال إلى عالمٍ يهواه وهو الدفع في الشأن المالي، فهذا ما يثير عجب العقّال، فيشفقون على صاحبه، ويرثون لحاله؛ وإن انسحبَ على كلّ من "تحت إبطه مسلّة تلكزه"؛ فمسألة الدفع والقبض وما إلى ذلك هي سمة التُّجّار. ونحن أهل فكرٍ وعلم، ولسنا تُجّارًا نشتري ونبيع ونُرتشى ونستعين بالدولار أو العملة اللبنانيّة أو الإسترلينية أو سواها.... هذا ندعه للمهووسين بالتجارة الدارجة. هنا ينقلب السيناريو، فالقاضي لا بدّ أن يسأل السيّد داية: "أنت العالِم الباحث، وصاحب المؤلّفات العديدة، هل لك أن توضح لنا معنى الجملة التي انتقيتها، وبالتحديد كلمة "دفع" حيث استعملت بالطريقة التالية: "بدفعٍ من" وليس "بدفعٍ إلى" حيث يكون المعنى ما استنتجتَه؟ فلا مشاحة في أنّه سيقع في ورطةٍ، إن أعطاها المعنى الحقيقيّ سيدينُ نفسه، وإن أصرّ على الالتواء والتجاهل والاستعانة بالسريرة الخبيثة، فإنّه سيواجَه بالذمّ والتصغير من قِبلِ القاضي.
2- "همروجة النقد": "في تعبيره "همروجة النقد" دليل آخر على جهله واقع المدلول اللغويّ لكلّ من المفردتين "همروجة" و"النقد"؛ فـ"الهمروجة" من فعل "همرج": همرج عليه الخبر: خلّطه عليه؛ والهمرجة: التخليط في الخبر والاختلاط والخفّة، ولغط الناس، والباطل والسرعة؛ وكلّها معانٍ لا تنسجم مع علميّة "النقد" الذي هو: فنّ تمييز جيّد الكلام من رديئه؛ وهو يجمع بين نقيضين لا يجتمعان لا في العلم ولا في المنطق ولا في كليهما معًا.
3- رفض آخرين لـ"همروجة جان داية": إنّ رفض الدكتور ميشال عبس للنسب في "رأي النهضة" و "رأي الجيل الجديد" هو رأي في عين الصواب، وينسحب أيضًا على كلّ محاولة شبيهة، ويجب أن يأخذ به كلّ حريص على العقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة؛ فنحن نشدّ على يد الدكتور عبس، وعلى أيدي المؤمنين بصفاء عقيدة سعاده، لكي يرفضوا هذا الجنوح، فنضع حدًّا لـ "شهيّة الانتهازيين وأعداء النهضة"، ونوقف "نسبة مقالات أو أقوال إليه [ إلى سعاده] لا علاقة له بها. هذا الأمر من شأنه السعي إلى تضليل القوميين الاجتماعيين وإلى تفخيخ فكر سعاده من الداخل"؛ "...قد تكشف لنا الأيّام، يكمل الدكتور ميشال عبس، مزيدًا من النصوص التي قد تلصق بسعاده من قبل بعض المصابين بجنون الخلود يتوسّلونه عبر إلصاق اسمهم باسمه. فاحذروا الوقوع في الشرك". فما أكثر المصابين بهذا المرض النفسيّ، يا حضرة الدكتور، الذين يعانون منه ولا يدرون، والذين يحاولون نقل مرضهم إلى الآخرين فينجحون حينًا ويفشلون أحيانًا.
4- مراقبة الكتب الحزبيّة: إنّ المراقبة الحزبية من قِبل الإدارات المعنيّة في الحزب هو أمر دستوريّ إذ لا يجوز أن تصدر كتبٌ لقوميين تخالف روحيّة العقيدة القوميّة الاجتماعيّة، وإلّا ندخل في نفق الفسيفساء الفكريّة التي تتناقض مع جلاء النهضة ووضوحها، وللزعيم أكثر من مثال على ذلك.( الرجوع إلى رسالة من الزعيم إلى "عضوي اللجنة المفوّضة" تاريخ 30 آب 1939، حيث يقول: "... وقد قلت لرشيد [شكّور] إنّه لا مانع عندي، أو عند مراجع الحزب العليا، أن يكون لبعض الأعضاء نظريّات خاصّة في الشؤون التاريخية أو الثقافية. ولكنّ هذه النظريات تظلّ خاصّة إذا لم تتبنّاها مراجع الحزب المختصّة ولا يمكن تعميمها بصورة تحمل طابع الحزب أو تدلّ ضمنًا على موافقته. فلا مانع عند الدوائر العليا أن يؤلّف الرفيق [ رشيد] شكّور كتابًا في تاريخ سورية يتضمّن نظرياته، ولكن بعد صدور الكتاب ستتناقش فيه المراجع الثقافية وتبدي رأيها فيه. فإذا رأته مخالفًا للتعاليم القومية فإنّها تمنع القوميين من شرائه وتعلن أنّه لا يعبّر عن رأي النهضة القومية. وقد يتضمّن الكتاب اختلافًا فكريًا - روحيًا - يحمل القوميّين على اعتبار صاحبه غير قومي وقطع صلاتهم به".
أعود وأكرّر أنّها المرّة الأخيرة، التي أسمح لنفسي فيها بالردّ على جان داية، لأنّ الحالة التي وصل إليها لم تعد جديرةً بالردّ، خاصّة وأنّ الألفاظ والتعابير باتت خارجة عن إحاطته العقلية، بحيث بات قاصرًا عن إدراك حقيقة المعاني التي هي أوضح من نور الشمس. ولنا معه في ردودٍ سابقة، نشرت في كتاب "من العقد الفرديّة إلى رحاب العقيدة" الصادر عن "دار الركن"، عام 2013 لنا معه أمثلة كثيرة تكشف عن هناتٍ لغويّة وفكريّة لا تتوافق مع أبسط قواعد البحث. ولن نعود إليها ، ومن يريد التأكّد، عليه أن يعود إلى الكتاب المذكور آنفًا.
يبقى أن نؤكّد للغيارى على مصلحة الأمّة والعقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة، والحزب السوري القومي الاجتماعي، أننا بالمرصاد لكلّ المتربصّين بالأمّة شرًّا من الداخل ومن الخارج. لأننا، بكلّ ما نفكّر به ونعمل له، لحياة سورية وحياة الزعيم.

في 28 تشرين الأوّل 2016 نايف معتوق

تمّ نشر هذا الردّ في جريدة النهار (العدد 26117) بتاريخ 5 تشرين الثاني 2016
 
الإرهاب في فرنسا طباعة البريد الإلكترونى
الرفيق هشام الشويري   
السبت, 10 يناير/كانون ثان 2015 19:37
كثرت التحليلات والتعليقات على العملية الإرهابية التي حدثت في باريس في مقرّ صحيفة "شارلي إيبدو". وانقسمت معظم الآراء إلى فريقين: فريق شمت بفرنسا، كإحدى الدول التي ترعى الإرهاب، حتى ولو بطرقٍ غير مباشرة في ليبيا وسورية والعراق واليمن، ناهيك عن قيامها بإرسال جيشها إلى مالي وسط إفريقيا "لمحاربة الإرهاب"! وفريق آخر تضامن مع فرنسا أو مع الصحيفة، ناقدًا "السذاجة" التي يتّصف بها الآخرون.
إنّ الشماتة منتظَرة ولكن مرفوضة، خاصّةً أنّ الطرفين "فرنسا والإرهاب" يعادون مصالحنا. والشماتة لا تعبّر عن عقليّة أخلاقيّة. ولا دور لسورية بما حدث للصحيفة في فرنسا. وسورية بشامها وعراقها ولبنانها ضحية إرهابٍ ديني، وفلسطين سورية ضحية إرهابٍ دينيٍّ آخر، من صنع فرنسا و"الغرب". والأمّة السورية هي المتضرّر الأوّل من الإرهاب الديني.
أما الفريق الآخر المتضامن مع الصحيفة و/أو مع فرنسا، ففعلاً أمره غريب! خاصةً الصحافيين المعروفين بعلمهم الواسع عن صراع الأمم. والسؤال الأوّل الموجّه إليهم: إنّ الصحف التي تنشرون فيها قد نشرت في العدد نفسه وفي أعداد سابقة عن التحريض الذي مارسته هذه الصحيفة بالذات أثناء عدوان اليهود على لبنان عام 2006، وأثناء كلّ عدوانٍ يهودي على غزة. فهل يجوز التضامن مع الذي تآمر وحرّض على قتلنا؟ والسؤال الثاني، سخرت الصحيفة من النبي محمد في محطات عدّة، كما سخرت من يسوع الناصري أكثر من مرّة في التسعينيات من القرن الماضي. هل خطر لكم لماذا لم تسخر من الدين اليهودي ومن "الهولوكوست"؟ وما كان سيكون مصيرها فيما لو سخرت بأقلّ قدر ممكن؟ ألأنهم يهود؟ أم بسبب الخوف من "تهمة" "اللاسامية"؟ تاريخهم يجيب على الحجّة الثانية. واستطرادًا، لماذا "الحرية" بالتهكّم على نبي الإسلام المحمدي وإله الإسلام المسيحي في بلدٍ مسيحيّ، وغير مسموح التهكّم على اليهود وتاريخهم؟
الغرب زرع الحقد، ونحن نحصده. هل المطلوب أن نعمل لوحدة فرنسا (أوروبيّين ومسلمي شمال أفريقيا) بينما عملت فرنسا على تقسيم المقسّم لبنان الى 18 طائفة؟ أيحقّ لها قتلنا بالجملة، وأن نقوم نحن بالدفاع عنها عندما ينقلب عليها عملاء استخباراتها، فيقتلون مواطنيها بالمفرّق؟ أيحقّ لها أن تشرب نخب الإرهاب في طول أمّتنا وعرضها، وأن نقوم نحن ببلسمة جراح مواطنين لها، رزقهم من نشر حقدها علينا؟ وفي الحدّ الأدنى، التريّث للكشف عن الفاعل الحقيقي. ليصحّ مثل شعبي آخر: ضربني وبكى، سبقني واشتكى. كما كانت حال 11 أيلول الأميركي. فبعض التقارير المتداولة، وغير المعروف مدى صدقيّتها، تزعم أنّ الأخوين اللذين قاما بالعملية هما من الراديكاليين الذين درّبهم الناتو وأرسلهم إلى "سورية" لمقاتلة النظام. وهما كانا تحت رقابة الاستخبارات الغربية بسبب سجن أحدهما في أيار 2008 لقيامه بأعمال إرهابية. كما ذكر التقرير أنهما عادا من سورية إلى فرنسا صيف 2014.
قد تصدر الإدانة للفعل الإرهابي. وقد تصدر تعزية للأهل والصحافة والدولة من باب التعامل الدبلوماسي والسياسي. والشماتة محرّمة وتعبّر عن ضعف، لا عن قوة. أما التضامن والدفاع عن "حرية الصحافة والرأي الآخر" فهذه مهزلة، ما بعدها مهزلة. كما هي حال تحريم ردود أفعال مواطنين عاديين على دولةٍ لم تزرع سوى الحقد في أمّتنا وبين شعوب أمّتنا، وتفنّنت بإذلالنا وسخّرت تلك المطابع لنقتل بعضنا بعضًا ولنقسّم أمتنا دويلات طائفية، مستغلةً ضعف النفوس وحثالة العمالة.

في 10/1/2015
الرفيق هشام الشويري
 
المعبِّر الأوفى في تعبيره الأوفى طباعة البريد الإلكترونى
الرفيق نايف معتوق   
الإثنين, 27 أكتوبر/تشرين أول 2014 16:04
altالمعبِّر الأوفى في تعبيره الأوفىلمن له عينٌ تُبصِر وعقلٌ يَتبصَّر بعد تخبّط وفوضى وتقهقر تسرّبت، خلال قرونٍ، إلى كلّ مفاصل حياة الأمّة السوريّة، وتركت بصماتٍ قاهرةً في مختلف أنحاء كيانها، وحرفتها عن مسارها الحضاريّ الذي تميّزت به، وقلّصت عطاءاتها إلى حدٍّ ساد الاعتقاد فيه أن لا قيامة لها بعد ذلك، و…
 
ويبقى الفعل الطّيّب...! طباعة البريد الإلكترونى
الرفيق نايف معتوق   
الأربعاء, 08 أكتوبر/تشرين أول 2014 19:45
سُنّة الحياة ولادةٌ وانتقالٌ بالوفاة، وبينهما يكمن سرّ التمرّس بقيم الحياة، حاملاً من ذخائر الماضي، وتاركًا فعلًا حيًّا لأجيال المستقبل؛ ولا مناصّ من تقبّل هذا الناموس أكان متوافقًا مع رغباتنا، أو رأينا فيه نفورًا ممّا يثير في النفس ألمًا وضيقًا وكربة.
قدر الأفراد في هذا القانون الحياتي أن يواجهوا التقلّبات على مختلف مستوياتها؛ من الأشدّ اسودادًا إلى الأنصع بياضًا؛ من ذروة الفرح إلى أعلى درجات الترح؛
لكنّ إرادة المتبصّرين الواعين منهم ترفض السلبيّ والقاهر وتصرّ على تحويله إلى عناصر بناء في المجرى الاجتماعيّ العام. قد ينجحون وقد يفشلون، وتبقى الإرادة التغييريّة البنائيّة راسخة فاعلة لا يعيقها عائق ولا يغيّر من سلطانها أيٌّ من عناصر العرقلة.
مثل هؤلاء هم البناة الحقيقيّون الذين أدركوا قيمة الحياة الاجتماعيّة، ورسخت في أعماقهم مقولة الحقيقة القائمة على يقينٍ، مفاده أنّ كلّ ما نملك من عناصر الحياة هو من عطاءات هذه الحياة، ولا دور لنا إلا المحافظة عليها، وتقديمها من الكلّ ولخير الكلّ. وفي هذه العمليّة التفاعليّة يترك الأفراد بصماتٍ واضحةً في مسيرة الحياة، وتنطبع في الأجيال الآتية. وهنا يكمن سرّ استمرار الأفراد في الكينونة الاجتماعيّة.
المربّية سلوى زيتون رفيقة درب الرفيق الياس الغنّاج، ووالدة الرفقاء الغنّاج عُلى وهادي وزينون، وإن لم ترفع يدها اليمنى مقسمة لحياة سورية وعزّها، فإنّ لها من وهج فعلها القوميّ ما يضع القلم أمام امتحانٍ يصعبُ تجاوزه بسهولة.
قد يبدو القول مغالاة بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفونها حقّ المعرفة، لكنّ معارفها من القوميين الاجتماعيين، وجلّهم يعرفها، ومن سائر المواطنين، لمتيقنون أنّ هذا القول هو تعبير عن حالة واقعيّة، لا محلّ فيها للمغالاة، ولا للخيال الجامح، ولا للمدح الصوري.
عاملة بصدق وإخلاص، ومؤدّية واجبها الحياتي بأصفى وأدقّ تأدية؛ بطواعية وقناعة وضعت كتفها إلى كتف الرفيق الياس في مواجهة الصعوبات، ولم تتأفّف يومًا من قيامه بالمهمات والمسؤوليّات الحزبيّة الملقاة على عاتقه، التي كانت تفرض عليه ألّا يلازم المنزل لأيام، هي في غيابه أمٌّ ووالد. لم تشعر العائلة بوطء الغياب، ولم يتسرّب بعضٌ من فراغٍ إلى حياتها. يكفي أنّها أنشأتهم تنشئةً قوميّة فغدوا رفقاء على مستوًى عالٍ من الوعي والممارسة يشهد لهم الجميع بذلك. قلّة هم الذي يعرفون أنها لم تكن عضوًا في الحزب، لأنها الحركة الدائمة في الدائرة الحزبيّة. تلبّي الدعوات، وتشارك في حضور الندوات والمحاضرات والاحتفالات، ولا تحجم عن مرافقة العائلة في كلّ المناسبات الحزبيّة دون أن يشكّل بُعد المسافات عائقًا أمامها.
حين تعرّض الرفيق الياس لعوارض صحيّة كانت الوالدةَ والممرّضة والزوجة والرفيقة الملازمة له، تنهيه عمّا يؤذي ويزعج، وتغريه بما يسهم في ضبط وضعه الصحّيّ. لم يساورها يأسٌ حين كانت تفشل في تصويب مسار هذا الوضع.
المربّية سلوى التزمت عمليًّا بما آمنت به عقليًّا، كانت الإمكانيّة الضاجّة بالفعل الحيّ:
إنْ في رسالتها التربويّة تجاه طلاّبها الذين تركت في مقلهم روحها الطيّب النقيّ الصافي، وبصماتٍ يستحيل أن يمحوها زمنٌ أو يضعها على رفوف النسيان، كما أنها فرضت حضورًا لافتًا مع زملائها وزميلاتها المربين والمربيات؛ لا لشيء إلاّ لأن قلبها عامر بالحبّ والاحترام والصدق، لا تشوبه شائبة المداهنة والمواربة، ما ينطق به اللسان تعبير عمّا يختزنه القلب من قيم؛ آمنت بالتفاعل الإنسانيّ الذي يتجاوز كلّ هيزعات الباطل، وتفاهات الألسنة وصغائرها؛ وإنْ في علاقاتها الاجتماعيّة في كلّ متّحد تنزل فيه، حيث بنت جسورًا من التواصل قوامها الإنسان الملتزم بقوانين المحبّة والضوابط العقليّة. إن شاءت أن توجّه فبكبرِ قلبٍ، وإن شاءت أن تنقد فبألقِ عقلٍ، تتغلغل الملاحظات والتوجيهات إلى قلوب أصحابها كأنها بلسم يطيّب ويشفي.
أنقول رحلت؟ وكيف يرحل من هو حاضرٌ في قلوب وعقول وعيون محبيه.
أنقول غابت؟ وكيف يغيب مَن إشراقة وجهه تبعث الطمأنينة والأمان.
المربيّة الصديقة، وأقول الرفيقة، هي دائمة الحضور في عائلة قوميّة فاعلة وناشطة، وفي نفس كلّ من عرفها وتلمّس مناقبياتها العالية، وفي مواكب الأجيال الآتية التي ستزخر بكلّ عطاءات مَن قدّم للأمّة ما وهبت، ومنهم الرفيقة سلوى.
البقاء للأمّة والخلود للزعيم.
في 3 تشرين الأوّل 2014 الرفيق نايف معتوق.
 
السلطان – الشعب طباعة البريد الإلكترونى
جورج عبد المسيح   
الإثنين, 21 يوليو/تموز 2014 00:00

الدولة هي مظهر المجتمع (الشعب) السياسي - الحقوقي. والحكومة هي جهاز التنفيذ لإرادة الشعب. وهذه هي الحقيقة العملية التي لا يصحّ أمر عام بدونها.

بمقدار ما تكون الحكومة المعنية ممثلة للدولة معبرة عن إرادة الشعب عاملة في تنفيذ هذه الإرادة يكون لما تقرّره أو تطلبه أو ترتبط به في الحقل الإنترنسيوني، وزن، وفي هذا لا يصحّ العكس قط.

ولسنا نعني بإرادة الشعب الصخب الجماهيري المستفزّ المدفوع، بل نعني الإرادة الشعورية العقلانية في حياة عزيزة سيّدة حرّة.
وفي ما هو حاصل في عالمنا العربي مجال للمقارنة بين هذه القواعد التي لا ثبات لشيء بدونها وبين ما يقرّر سرًّا وعلانيةً ولا يبقى غير قابل التنفيذ.

وفيه مجال للبحث في معنى "الإخاء" و "الصفاء" و "حسن النية" التي يعلنها الساسة في مؤتمراتهم وبين ما يقومون به هم في الدول أو المراكز التي يصلون إلى تحمل أعباء المسؤولية العملية فيها.

ماذا أفاد القول بالإخاء حين وقعت الوقيعة بين مصر من جهة وبين كل من تونس والأردن والعراق والسودان من جهة أخرى؟ هذا في المجال المعلن، أما في ما لم يعلن، فما معنى الإخاء القومي في التصادم المؤدي إلى المحنة كما حصل في لبنان والعراق مثلاً؟!
وماذا فعلت التصريحات "الإخائية" التي يعلنها الساسة؟

الشعب هو صاحب السـلطان الأوحد، ومن الشعب حكامه. فإذا كان الشعب فاقدًا السلطان فهل يكون لحكومته سلطان؟.. يمكن أن يتسلّط نفرٌ على المقدرات ويرغم الشعب أو جزءًا منه على السير في ما يفرضه المتسلطون بقوة تفيد بالأفراد، فتجبرهم، لكنها تقف حيرى أمام ما يجابهها في حالة التجمع مهما كان نوعه وأهداف من يؤلفونه. . !

هذه الحالة هي التي تجعل اجتماعات ممثلي حكومات دول عالمنا العربي بغير جدوى، فقراراتهم لا تلزم في الحقل المحلي لكل دولة، ولا في الحقل الداخلي لكل أمّة ـ مجتمع، ولا في الحقل الإنترنسيوني العالمي فيما بيننا، فرادى ومتجمعين، وبين الدول الأخرى فرادى ومتجمعة.

فما دام الشعب فاقدًا سلطانه العقلاني على نفسه فلا مجال للبحث في نتائج اجتماعات ساساتنا. فقد سبق واجتمعوا وقرّروا، لكن قراراتهم لم تنفّذ لأنها كانت قرارات ساسة لا تشاركهم شعوبهم بما يصلون إليه في اجتماعاتهم السرية والعلنية.

فإرادة الشعب واضحة في الذين يحكِّمون العقل ويتوافقون مع الحقيقة في اتجاهاتهم وعملهم. إنها في أن يترك الساسة العمل السياسي من أجل السياسة. وأن يعملوا على قاعدة أن السياسة وسيلة لخدمة الشعوب وانتصار قضاياها.

إرادة شعوب العالم العربي هي في استكمال التحرّر القومي في كل أمّة من أممه لتنشأ من الأمم المتحررة جبهة عربية قوية تكون سدًّا في وجه الاستعمار.

كلّ ما دون ذلك باطل لا يجدي ولا يحصل منه إلا الأباطيل.

وإذا شاء المؤتمرون في بيروت اليوم أن يضعوا أسسًا صحيحة توصل إلى حياة العزّ لشعوبهم فليدرسوا هذه الحقيقة ويقروا السير فيها.

تحرير الأمم العربية من كل ما فعل الأجانب، وإنشاء جبهة عربية من هذه الأمم المتحررة، وبعدها لا يتمنع الأردن والعراق، ولا ترفض تونس، ولا يكون لمندوبي دولنا ما يعلنون تأدّبًا وما يسترون تستّرًا.

فهل هم فاعلون بموجب سلطان الشعوب، شعوبهم، وإرادة كل منها؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الجيل الجديد عدد 46 تاريخ 5 نيسان 1959.
جورج عبد المسيح: البناء الاجتماعي، ص 179

 
« البداية السابق 5 4 3 2 1 التالى النهاية »

الصفحة 1 من 5
الدخول



الرسائل الاكترونية

الاسم:

البريد الالكتروني:

تبرعات
لتبرعاتكم : Account Number: USD 001 180 0007183 00 1

IBAN: LB33 0053 0024 0011 8000 0718 3001 SWIFT: C L B L B B X