الأحد 25 يونيو/حزيران 2017
جديد القومي
أقوال الزعيم
بأقلامكم
16 تشرين الثاني عيد التأسيس – ماذا يعني؟ ما العبرة؟ ولما هذا التاريخ؟ طباعة البريد الإلكترونى
خليل عبد المسيح   
الثلاثاء, 22 نوفمبر/تشرين ثان 2016 14:25
يقول سعاده "إن انشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية القومية، لأن المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الاتّجاه ووحدة العمل، وهي الضامن لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات".
انطلاقًا من هذا القول العيد هو عيد العقيدة القومية الاجتماعية، التي ارتكزت إلى نظرة جديدة إلى الوجود - إلى الحياة والكون والفن؛ إنه عيد مَن قَبِل تعاليم سعاده واعتنق القومية الاجتماعية، ثمّ انتظم في صفوف الحركة وعمل في مؤسساتها؛ إنه عيد وعي الأمّة السورية لذاتها ولوحدتها بعد أن كانت مقسّمة إلى طوائف ومذاهب وقبائل متنافرة تحسب كلّ واحدة منها نفسها أمّة.
نظرة سعاده الجديدة إلى الكون غيّرت الكثير من المفاهيم، وفتحت أعيننا على العلم والمعرفة، ما يقره العقل والعلم هو المقبول والمعمول به، فأضحدت الحقيقة تساوي = الوجود والمعرفة، وأصبح الوجود بفعل العلم والعقل منكشفًا لنا، فنلنا المعرفة وهكذا انكشفت الحقيقة؛ حقيقة الوجود: المجتمع - الإنسان الاجتماعي الكامل وليس الفرد.
يقول سعاده في كتاب نشوء الأمم: " إنّ الوجدان القوميّ هو أعظم ظاهرة اجتماعيّة في عصرنا، وهي الظاهرة الّتي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدّن. ولقد كان ظهور شخصيّة الفرد حادثًا عظيمًا في ارتقاء النفسية البشرية وتطوّر الاجتماع الإنساني. أمّا ظهور شخصيّة الجماعة فأعظم حوادث التطوّر البشريّ شأنًا وأبعدها نتيجة وأكثرها دقّة ولطافة وأشدّها تعقّدًا، إذ إنّ هذه الشّخصيّة مركّب اجتماعيّ - اقتصاديّ - نفسانيّ يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعورَه بشخصيّة جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسَه فهمَه نفسّية متَّحَده الاجتماعيّ وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتمَّ به ويودَّ خيره، كما يودُّ الخير لنفسه."
ويضيف "كلّ جماعة ترتقي إلى مرتبة الوجدان القومي، الشعور بشخصية الجماعة، لا بدّ لأفرادها من فهم الواقع الاجتماعيّ وظروفه وطبيعة العلاقات الناتجة عنه."
إذًا هذه النظرة الجديدة إلى الكون والحياة غيّرت الكثير من المفاهيم السائدة. فبعد أن كان فهم الوجود الإنساني مجرد أعداد بشرية متنافرة مجموعة ضمن حدود (الوطن)، دون انصهار وتفاعل ولا وحدة حياة أو جماعة متفلتة دون انضباط، أصبح المجتمع (الوطن والإنسان عليه) هو الأساس. الفرد يكتسب من مجتمعه وبيئته، يفعل بهما، والتفاعل يصهر الجميع (في المجتمع) في بوتقة حياتية واحدة. وهكذا يتكون الشعور القومي أي عصبية الجماعة.
عند سعاده لم تعد الأمّة والقومية مبنيتان على أسس دينية أو عرقية أو لغوية، بل على وحدة العمران في بيئة جغرافية واحدة تشكَّل ضمنها مجتمعٌ واحد - وحدة حياة - وهذه الوحدة نتجت عن تفاعل العناصر البشرية تفاعلًا أفقيًا بين بعضها البعض - وعموديًا بينها وبين البيئة الطبيعة التي حضنتها عبر الزمن.
تفاعل الإنسان بالإنسان وتفاعل الإنسان بالأرض وتأثير المناخ، مناخ الإقليم عليه أكسبه طباعًا وعاداتٍ وتقاليد - هذا الإنسان المنصهر في بوتقة حياتية واحدة أعطته القيم - والتقاليد - والعادات - والأعراف التي قوّت عصبيته القومية وجمعت أواصره، فعمل في سبيل الأرض (الوطن الذي نحيا عليه).
بعد هذا التحديد كان لا بد لسعاده من تحديد أي وطن (أمّة) ينتمي إليه، وأي شعب هو منه - تحديد الهوية - درس وتعمّق في تاريخ هذه المنطقة ليكشف حقائق ومضامين كانت مهملة من قبل المؤرّخين الأجانب والمحليين.
الارتكاز إلى العلم أوضح حدود الإقليم الذي نحيا عليه، نقّب التاريخ فانكشفت الوحدة الحياتية القائمة في هذا الإقليم المعروف عبر العصور باسم سورية. هذه الحقيقة الفلسفية التي تناولت الوجود الإنساني في سورية، والقراءة التاريخية لهذا الوجود الإنساني في الوطن السوري - مكنّت سعاده من وضع المبدأ الأساسي الأول.
إن سورية تشكل أمّة تامة وإن الوطن السوري هو ملك لأبنائه السوريين في تعاقب أجيالهم، وإنهم وحدهم يحق لهم أن يقرروا مصير كل شبر من وطنهم سورية. هذه الحقيقة التي كشفها سعاده أوضحت سبب التمزّق والضياع وعقد النقص التي يعاني منها الشعب، نتيجة حرمانه من حقّه في معرفة تاريخ وجغرافية وطنه. ونتيجة التعتيم على الحقائق، والاضطهاد الفكري وطمس الحقائق العلميّة التي أوصلت هذا الشعب إلى الجهل والتعامي وفقدان الرؤية المستقبلية. هذا الواقع المأساوي الذي عايشه سعاده دفعه إلى مراجعة جميع الحسابات والتوقعات التي سببت هذا الانحدار، الذي لا نزال نعاني منه حتى اليوم. هذا الانحدار رآه وقدّر عواقبه باعث هذه النهضة فوضع الحلول للتخلص منه، وعمل على بناء أمّة أرادها أمّة عظيمة بين الأمم، مؤكدًا على وجوب الابتداء بعهد جديد، عهد الحرية والواجب والنظام والقوة، عهد وضع أسس حياة جديدة - عزيزة - راقية، ورسم غايات وأهداف سامية لأمّة حية، انطلاقًا من النظرة الفلسفية الجديدة للوجود التي كشفت كمال وجودنا وحددت وطننا وميزت تمام مصلحتنا، أمّة قويّة قادرة بين الأمم.
انطلق سعاده ليضع أسس ومبادئ هذه الحياة الجديدة، وبما أن هذه النظرة الجديدة إلى الحياة قد أتت بعد عصور من الخمول الذي أصاب الأمّة وأوهن قدراتها فتفشت فيها الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كان لا بد من تقسيم مبادئ الحياة الجديدة إلى قسمين الأول وهو الأساسي، يحدد ويوضح هويتنا القومية وحقوقنا بين الأمم. والثاني إصلاحي ينهض بالمجتمع من أمراضه المذهبية والطائفية والاقتصادية والعشائرية .. إلى مستوى المجتمعات الراقية.
كذلك أسس سعاده لمبدأ أساسي في الحياة، وهو أن المبادئ وجدت لخدمة الشعوب وليست الشعوب لخدمة المبادئ. وأن السياسة من أجل السياسة ليست عملًا قوميًا. فالسياسة، بنظر سعاده هي علم وفن بلوغ الأغراض القومية، وغايتها تأمين مصلحة الأمّة التي هي فوق كل مصلحة فردية.
بهذه الأفكار وهذه المبادئ شكل سعاده خطرًا حقيقيًا على الوكالة اليهودية العالمية التي تعمل تحت مسمّى الصهيونية. وهي التي تريد الإبقاء على شعبنا جاهلًا لهويته، غافلًا عن تاريخه، بغية جرفنا من أرضنا والإتيان بيهود العالم أجمع لإسكانهم في أرضنا وحكم هذا العالم من أورشليم القدس التي هي في الأصل مدينة السلام - يروسلام - في الأرامية اللغة التي كان يتكلمها اليبّوسيون، والمدينة التي بنوها رمزًا للسلام ومحبة الإله الواحد الأحد الذي عرفوه قبل كل الشعوب.
هذه القومية الاجتماعية التي أطلقها سعاده ليست فكرًا سياسيًا وليست تعبئة لمشاعر الشعب، إنها حقيقة فلسفية تناولت أمرًا خطيرًا يعني وجودنا لذلك توقع سعاده للقوميين الاجتماعيين آلامًا عظيمة ودربًا طويلًا وشاقًا، لكنه يوصل إلى النصر الأكيد، أي انتصار حقيقة الأمّة.
أمّا تاريخ 16 تشرين الثاني فهو يعود ليوم وقف سعاده أمام المحكمة المختلطة عام 1935 يواجه القضاء، حيث توجه إليه قاضي المستعمر الفرنسي بالقول: أنت متهم بإنشاء حزب سياسي "يعمل سرًّا لأمور ثورية ولتغيير شكل الحكم في البلاد وتعريض سلامة الوطن ولمنع أعضاء الدولة في لبنان من ممارسة حقوقهم المدنية..". وكان جواب سعاده "إنّي متّهم بخرق وحدة البلاد الجغرافية وانتهاك حرمة الأرض. فأراني مضطرًّا، علميًا لا بالعاطفة، للقول: إنّ خرق وحدة وطننا الجغرافية وانتهاك حرمة أرضنا قد تمّا بالفعل في "سان ريمو" و"سيفر" و"لوزان". والمسؤولون عن ذلك هم غير الحزب السوري القومي."
نعم بهذا التاريخ خرج الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى العلن بعد أن كانت مراحل تكوينه قد بدأت لثلاث سنوات خلت، تركزّت فيها جميع المنطلقات الفكريّة - العقائديّة - السياسية، ووضعت فيها مبادئ الحزب الأساسية والإصلاحية.
أيها القوميون المقسمون على حمل مبادئ سعاده إيمانًا لكم ولعائلاتكم، أنتم السائرون على دروب النهضة معبّرين عمّا في نفوس النحن - المجتمع من خير وجمال - تذكروا أن الزعيم، وبعد عودته من مغتربه القسري، انكبّ على إعادة تنظيم الحزب ومحاسبة من خرج على المبادئ والعقيدة فأثار بذلك مخاوف الحكومة.
فأي مخاوف ساورت الحكومة وحكومات العالم العربي يومذاك؟
1- انها المخاوف من جلاء الحقيقة التي تعني وجودنا - مجتمعًا واحدًا - وليس مجموع أفراد - وأمّة واحدة وليس مجموع كيانات يحسب كلّ واحد منها نفسه أمّة؛ هذه الحقيقة ما زلنا نجاهد من أجل تحقيقها، وسلاحنا هو المبادئ الأساسية بشروطها والإصلاحية، بتفاصيلها.
2- المخاوف من المبادئ الإصلاحية التي تعيدنا مجتمعًا حيًا ناهضًا، لا طوائف ومذاهب وإقطاعيّات حزبيّة - اقتصادية، وبكلام آخر قطعانًا بشرية تساق خارج إرادتها (كما هو الحال اليوم).
3- الحقيقة التي تعني أننا أمّة تامة - سيادتها على كامل تراب الوطن جعل من حكام ذلك الزمان في جميع الكيانات ومن أصحاب النفوذ الإقطاعي - الطائفي - المالي- السياسي جعل منهم أناسًا مزعورين خائفين على مصالحهم الخاصة ومنافع ساداتهم.
ففي المبادئ الإصلاحية إحياء لمجتمع حي يعمل للعدالة الإنسانية فيصبح المجتمع إنسانًا واحدًا في النفسية والتفكير والهدف لأن الولاء للوطن. تزول الأنا الفردية القاتلة وتحيا النحن المحيية فلا يرضى أحدنا لسواه ما لا يرتضيه لنفسه.
أيها الرفقاء
القومي هو من آمن بشعبه وعمل لمصلحة الحياة - المجتمع - أنتم الذين آمنتم بالمبادئ القومية الاجتماعية - التي حددت الوطن السوري وعملتم على إنشاء جبهة من العالم العربي للوقوف بوجه المطامع الاستعمارية (يوم عاد الزعيم من مغتربه القسري أثنى على القوميين الذي تمسكوا بعقيدتهم وبالنظام، وحثهم على العودة إلى ساحة الجهاد)، انظروا من حولكم إلى حال الأمّة اليوم: إنها ما زالت متعثرة، ما زالت مقسمة إلى كيانات، بعضها متنافر وبعضها الآخر متقارب، والسبب ذاته هم الساسة وسياستهم الخاصة الخاضعة للإملاءات الخارجية.
مجتمعنا يئنّ من أمراضه الطائفية والمذهبية والإقطاعية والفردية التي يؤجج نيرانها ويحرّكها اليهودية العالمية. الجميع يشكون من الورم السرطاني الذي يتضخم في فلسطين المحتلّة المغتصبة من قبل يهود العالم. وقلّة من أبناء أمتنا يحاولون معالجة هذه الأمراض لكن تُطمس جميع مناشداتهم وأعمالهم التي يقومون بها. وقلة أخرى ترفض الاقتتال والتناحر لكنها، في أحسن الأحوال، تعترف بمواطن آخر على أنه شريك في المواطن - نحن - وهم - جماعتنا وجماعتهم (جماعة طائفية مقابل جماعة طائفية أخرى) لم يصلوا بعد إلى الشعور بوحده الحياة التي تصهر الجميع فيكون الجميع واحدًا.
أيها القوميون
إن الشراكة والمشاركة تعبير ناقص لأننا وحدة حياة وعلينا إيقاظ أبناء شعبنا إلى ما فيهم من خير ومجال. إيقاظ وكشف الحقيقة الكامنة في نفوسهم أنهم واحد أحد على أرض هذا الوطن، لهم وعليهم الحقوق والواجبات نفسها. الوطن ليس شركة تجارية يتقاسم أبناؤه أرباحها، إنما يتقاسمون خيراته التي يصنعونها بإيديهم وبكدّ أيمانهم. وإن صح، وهو صحيح، القول "إن كل ما فينا هو من الأمّة وكلّ ما لنا هو للأمة" فنحن واحد كوننا أخذنا من المَعين نفسه ونضحّي ونعمل لخير وكمال هذا المَعين الذي هو الوطن. أما في الدين فالله لجميعنا. كلٌّ يتقرب منه على طريقته، نعمل للخير في هذه الدنيا آملين كسب الجنّة والآخرة. والحقيقة أنه لا يدخل الكافرون جنة الله بصلوات المؤمنين ولا ينزل إلى جهنم مؤمن عمل الصالحات بكفر الكافرين. الإنسان يجني ثمار أعماله والهب هو الحسيب الرقيب.
أيّها القوميون الاجتماعيون
يقول سعاده " كل عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الأولى التي هي: انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كلّ ما دون ذلك باطل. وكلّ عقيدة يصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدد اتباعها."
"عوا مهمتكم بكامل خطورتها والهجوا دائمًا بهذه الحقيقة- حقيقة عقيدتكم ومهمتكم- حقيقة وجودكم وإيمانكم وعملكم وجهادكم." وليكن في يقينكم أن من تقاعص عن الجهد قد أعاق سير الجهاد.
أيَها المواطنون والرفقاء.
نحن نفتتح ونختتم أعمالنا باسم سورية وسعاده: سوريا الوطن القومي للأمّة السورية مهما قُسّم هذا الوطن إلى كيانات ومهما اجتزئ منه من أرض، فوحدته الجغرافية باقية ما بقي الكون. وسعاده المعلم واضع العقيدة القومية الاجتماعية، والنظرة الجديدة إلى الحياة والكون التي أقسمنا اليمين على حفظها وأخذها شعارًا لنا ولعائلتنا؛ هذا الفكر الذي بعثه سعاده سيبقى ما بقي الإنسان يعقل. وسعاده الجسد فانٍ وقد احتضنه تراب الوطن الذي أحبّ وعمل وضحى من أجله وأعطاه كلّ ما له لأنه وديعة الأمّة فيه وقد أعاد للأمّة وديعتها.
عيد التأسيس هو أمانة لأجيال لم تولد بعد حافظوا عليها نقية صافية وسلمّوها كما استلمتموها بالطهارة والنقاوة والصفاء.

اعملوا للنصر تجدوه في أعمالكم خيرًا وفيرًا
لعزّ الحياة وسوريا
في تشرين الثاني 2016
الرفيق خليل عبد المسيح
 
شرح وتوضيح المحاضرة الخامسة (15 شباط 1948) طباعة البريد الإلكترونى
نايف معتوق   
الجمعة, 04 نوفمبر/تشرين ثان 2016 19:47
خارطة للإمبراطريّة العيلاميةهذه المحاضرة تشمل: - تمهيدًا يتعلّق بالمبدأ الرابع. - تفصيل وتوضيح وشرح المبدأ الخامس. (مع الاعتماد على ما أعدّته عمدة الإذاعة عام 2000 تحت عنوان "دليل المذيع"، بشأن هذا المبدأ). - المبدأ الأساسيّ السادس: "الأمّة السوريّة مجتمع واحد". المبدأ الخامس: "الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي …
 
مراسلة بين رفيقَين طباعة البريد الإلكترونى
لجنة الموقع   
الجمعة, 30 سبتمبر/أيلول 2016 19:59

رأت لجنة الموقع أن تنشر هاتين الرسالتين اللتين أعدهما الرفيق ز. غ. إجابةً على بعض الأسئلة والآراء التي أثيرت بين عدد من القوميين عبر الواتساب.

التفاصيل...
 
تصويبٌ لا بدّ منه طباعة البريد الإلكترونى
نايف معتوق   
الإثنين, 26 سبتمبر/أيلول 2016 17:41

في الأوّل من أيلول 2016، كنّا قد نشرنا ردًّا على السيّد المحترم أحمد الأصفهاني حول مقالة كتبها بعنوان: "حزب سعاده.. و"المعارضة"، فكان أن نشر ردًّا في الثالث عشر من أيلول 2016، بعنوان "قنّاصة الفكر"، لم يحالفه الحظّ في التمكّن من دائرة "القنص" أو التصويب، فلم تُصِب الرصاصة التي أطلقها الهدف الذي أراد، ربّما لأنّها عشوائيّة. وانطلاقًا من إيماننا بعقيدتنا وبنظامنا وبدستورنا وبخلقيتنا ونظرتنا إلى الحياة والكون والفنّ، والتزامًا بالصراع الفكري الذي به نؤمن ونعمل، نبدي ما يلي من الملاحظات:

1- في المقدّمة الرومنسية "كنا في زمنٍ جميلٍ غابر... نلتقي رفقاء ومواطنين في حلقات بحثٍ ونقاش..." ترى نفسك في إطار إطلالة تنعش الفؤاد وتدفع إلى التأمّل للاتّعاظ وأخذ العبر، لكنّها في الوقت نفسه تدفعنا إلى استذكار واحدة من ممارسات "ذلك الزمن الجميل الغابر" التي شوّهت هذا الوصف المتألّق؛ هل يذكر السيّد أصفهاني، يوم كان ناظرًا للتدريب وأمر، من كانوا تحت إمرته، بنزع إعلان لمحاضرة في كلّيّة العلوم للرفيق جورج عبد المسيح بالقوّة، ممّا أدّى إلى مواجهة انتهت بتثبيت الإعلان وقيام المحاضرة؟ "أهذا ما يمكن أن نسمّيه "الحوار الحرّ المفتوح" في ذلك "الزمن الجميل الغابر"؟ هل "الحوار الحرّ المفتوح" ينهى عن اللقاءات الفكريّة التي كنّا أبدًا نطالب بها، وما زلنا، مع من هم في التنظيم الذي كان أحد أعضائه، وكنا نواجَه بالرفض التزامًا من هؤلاء بالتعاميم التي كانت تصدر وتحذّر من الاجتماع بنا؟ هل هذه الممارسات تنمّ عن اعتصام "بآداب الاختلاف ومناقبيّة البحث"؟ هل مثل هذا المسلك "يوسّع المدارك القوميّة ويُغني حياتنا الاجتماعيّة العامّة"؟ في بعض جوانب استهلال المقالة ما يثير مكامن الوجدان، لكنّ الواقع العمليّ كان مرًّا، وينطبق عليه القول الشائع: "اسمع تفرح، جرّب تحزن".

2- تنوّع الآراء: لم يغبْ ولن يغيب عن بالِ أيّ سوريّ قوميّ اجتماعيّ حقيقة التنوّع في الرأي، وقد أكّد الزعيم على إبداء الرأي وجعله مادّة مستقلّة في الدستور، هي المادّة الثامنة؛ وقد أوضحنا ذلك في الردّ السابق، وأوضحنا ضرورة التزام العضو بالقرار الحزبيّ، ونضيف هنا في هذا الشأن ما ذكره الزعيم في رسالة إلى يوسف الغريب في 12 تموز 1941: "وكلّ نظرية خصوصيّة يجوز لصاحبها أن يستبقيها لنفسه، ولكن حين إعلان الموقف يجب أن يتقيّد بنظرية المنظّمة الصادرة من مراجعها العليا التي لها حقّ التقرير. وبالتالي لا يجوز للفرد أن يفرض نظريته فرضًا على المنظّمة".

بيد أنّ تنوّع الآراء يبقى في دائرة النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفنّ، وهي زاوية نظرنا، نحن السوريين القوميين الاجتماعيين، إنّها "وجهة نظرنا"، وليس هنالك ، في هذه الدائرة "وجهات نظر"، بل وجهة نظر واحدة، هي عقيدتنا القوميّة الاجتماعيّة. وكلّ رأيٍ، لأيّ عضوٍ، يجب أن ينطلق من هذه القاعدة ويخدمها. ولا شكّ أن المبادئ هي قواعد لانطلاق الفكر، كما أكّد الزعيم، ولكنّ انطلاق الفكر يجب أن يبقى ملتزمًا بقاعدته، لا أن يصبح خارج حقل القاعدة التي هي أشبه "بالحقل المغناطيسي"؛ وكثيرون هم الذين تستّروا وراء هذا القول ليعبروا منه إلى "التطوير" و"االتجديد" و"الاستنباط"؛ لم ننسَ بعد موجة محاولة "مركسة" أو "مشْيَعَة" العقيدة (جعلها "شيوعية") تحت هذا العنوان، وقبلها محاولة جرّها إلى عالم "الليبرالية الرأسمالية"، ويبدو أنّ تحذير سعادة من محاولات "الاستنباط" كان في محلّه؛ ففي رسالة إلى نعمة ثابت بتاريخ 5 أيلول 1946 ما نصّه: "ما يلاحظ في تعابير بعض المسؤولين الجدد من صفة «الاستنباط» أو «التجديد» كما في فاتحة نشرة عمدة الثقافة ... فكلّ قول من هذا النوع يحتاج إلى تدقيق كثير وإعادة نظر ودرس تفاصيل عهد نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي وفلسفة عقيدته وخطوطه الأساسية، وإلّا اضطررنا للدخول في سلسلة اختبارات "للاستنباطات" و "التجديدات".

3- الحزب السوري القومي الاجتماعي والأحزاب "العقائدية": في الردّ تاريخ 13 أيلول 2016 ما نصّه: "لا خلاف... على أنّ الحزب يتفردّ بنظرته ونظامه ودستوره وقوانيته ومناقبه..."، هو هذا التفرّد الذي أشرنا إليه في الردّ السابق وقصدناه، والذي لا يسمح لنا بوضع حزبنا في سلّة واحدة مع الأحزاب الأخرى. ونضيف هنا قولًا لسعادة في رسالة إلى إبراهيم طنوس في 14 أيلول 1939: "... والحزب السوري القومي لا يعترف بمبادئ غير مبادئه وهو يرفض كلّ مقارنة أو موافقة أو معاقبة مع أيّة مبادئ أخرى، لأن فكرة الحركة السورية القومية هي فكرة أساسية شاملة". وبالتالي فإنّ "الضير" هو في ما لا يتوافق مع توجيهات الزعيم؛ فالأمر لا يتعلّق بـ "مخالفة عقائدية" بل في ضرورة الالتزام بالدقّة في إطارها الشامل، وفي الالتزام بدقّة استعمال المفردات والمصطلحات التي أولاها الزعيم عناية خاصّة، والتي يتسلّح بها السوري القومي الاجتماعي. فهناك أحزاب "عقائديّة"، لا شكّ في ذلك، وهناك منظّمات "عقائديّة" لا شكّ في ذلك، ولكنّ الحزب السوري القوميّ الاجتماعيّ هو حزب عقائديٌّ رائدٌ ومتفرّد ومتميّزٌ، وهذا ما قصدناه وما أكّدنا ونؤكّد عليه، ولا يجوز أن نضعه في سلّة واحدة مع الأحزاب الأخرى أيًّا كانت "عقائديّة" أو غير عقائديّة"، علمًا أنّ جوهر ردّنا لم يكن في هذه البؤرة، بل في "المعارضة" في الحزب كما سنوضح في السياق. وما قلناه في هذا حرفيًّا: "فالحزب السوري القومي الاجتماعي حزب عقائديّ مميّزٌ في عقيدته ونظرته إلى الحياة والكون والفنّ، ويجب ألّا نخلط بين "عقائديّته" و"عقائديّة" الأحزاب العقائديّة الأخرى". هل هذا يعني أنّنا أزلنا صفة العقائديّة عن أحزابٍ أخرى، بئسَ التأويل الذي يلتهم أحيانًا حقيقة المعنى المقصود والواضح.

4- الطابع الشخصي: أربأ بنفسي عن الانحدار إلى مستوى يلامس "الحقد الأسود" أو حتى أن يكون مادّة للحديث في أيّ شأنٍ من الشؤون، حتى وإن كان المتحدّث عنه اتّخذه وسيلة للتنفيس عن كربةٍ أو ضغطٍ نفسيٍّ مزمن. فنحن، السوريين القوميين الاجتماعيين، تعمّقنا بعقيدة سعادة، وآمنّا بها، وأقسمنا على الالتزام بكلّ شموليّتها وتفاصيلها، وعمادها الأساس هو الحبّ، "حبّ الحياة وحبّ الموت متى كان طريقًا إلى الحياة"؛ فكلّ من يؤمن بهذه القيمة العليا، يستحيل أن يسقط في وحل الحقد السيّئ، وفي مستنقعات المماحكات الشخصيّة التي تتعارض شكلًا ومضمونًا مع جوهر العقيدة التي أقسمنا على تحقيقها؛ صحيحٌ أننا نقسو أحيانًا على من تجرّه "الشخصانيّة" إلى سبلٍ مسيئة، ولكنّ قسوتنا هي قسوة المحبِّ الذي يصرّ على إنقاذ من يحبّ من تهوّره وانحداراته.

هل كان أنطون سعادة حاقدًا على رفقاء ضلّوا السبيل حين خاطبهم بقسوة؟ هل كان حاقدًا على كلّ الذين أبان لهم أخطاءهم، من مواطنين وسواهم؟ ألم يخاطب وزير خارجيّة بريطانيا "بلفور" بـِ "يا مولاي"؟ ألم يعبّر عن التزامه بالقانون وهو على عمود الإعدام بكلّ محبّة واحترام؟

هذا هو قائدنا، المعبّر الأوفى والأصفى والأنقى عن حقيقة حبّنا للحياة، وهكذا نحن تلاميذه نتّجه إلى التمرّس بعظمة القيمة العليا- الحبّ التي دعانا إلى التمرّس بها؛ ندع سوءة "الحقد الأسود" للذين لم يتمكّنوا من الخروج من قمقمها، فتدفعهم بقوّة إلى إطلاق الرصاص الطائش الذي لا يميّز بين "مذنبٍ وبريء"، والأنكى أنّهم يرمون غيرهم بها، كمن يضع صنيعه السيّئ أمام الكاهن ظنًّا منه أنّه أراح النفس من فعلته الشنيعة؛ أمّا نحن فنسير مرفوعي الرؤوس من أجل إحقاق الحقّ، ومن أجل العمل لمصلحة سورية التي هي فوق كلّ مصلحة. ولن نتعب ولن نكلّ ولن نتوانى عن العمل لإنقاذ المتورّطين والمرتكبين من براثن هذا "الحقد الأسود". ومن كان هذا مرتكزه ومساره في إطار الوعي - المسلّمة، فهو قادرٌ على أن يميّز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، و"العدوّ من الصديق"، والباطل من الحقّ، و"المذنب من البريء"، وتاليًا هدفنا الشأن الفكريّ والممارسة العمليّة في إطار المصلحة القوميّة، وليس الأشخاص، فمن ضاق أفق نظره إلى حدّ شرنقة نفسه في الشخص، فهذا شأنه، وشأن آخرين أمثاله يرون أنّهم عاجزون عن التخلّص من "شخصنتهم"، وليس شأن السوريين القوميين الاجتماعيين.

ما كنّا "شخصيّين" و"شخصانيين" في علاقاتنا مع رفقائنا ومع الآخرين، ولن نكون لأنّنا أبناء الحياة، تلامذة سعادة، ولأنّنا في كلّ ما نفكّر ونعمل صادر عن إيماننا بحقيقتنا وبقناعاتنا وبدراستنا وقسَمنا وبصفائنا النفسيّ....

5- "رهبنة الحزب": يبدو أنّ السيّد أصفهاني حاول أن يحشد في مقاله كلّ ما أطلقه أصحاب "الحقد الأسود" ضدّ العقائديين، وإن كانت "التّهم" بعيدةً عن مضمون ما أوضحناه في ردّنا التصويبيّ؛ وبالتالي نعجب من تعريجه على "الرهبنة في الحزب" حيث لا علاقة لهذا التعبير بما جاء في مقالنا "أحمد أصفهاني والمعارضة في الحزب"؛ خذها منّا يا حضرة السيّد أصفهاني: إنّنا معك بالمطلق بقولك: "... يخطئ، بل هو يجرم بحقّ الأمّة على مدى أجيالها، من يعتقد بأنّ قيامنا برهبنة الحزب في برجٍ عاجيّ وعزله عن سياقه التاريخي السياسي الاجتماعي الفكري يمكن أن يمنحه قيمة خاصّة مضافة".

6- مقدّمة أردناها خاتمة: كان يُفترض أن نقدّم هذا التصويب بهذا النقطة، لكنّنا آثرنا أن يشكّل هذا القسم الخاتمة، علّه يُعيد ضبط بوصلة ما صوّبنا عليه في الردّ السابق وشكّل جوهر الردّ ، فلا يفارق الذهن، ولا يسمح لصاحبه بالشطط. فالمحور الأساس كان في انتفاء المعارضة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الأمر الذي افتقدنا أيّ أثرٍ له في "قنّاصة الفكر"، بل انحرف الاتّجاه إلى مكانٍ آخر، شخصيٍّ، يتعارض مع مضمون وهدف توضيحنا السابق، على الرغم من الزعم، لكي لا نقول الادّعاء، بأنّ المكتوب يبتعد عن الحالة الشخصيّة؛ وكم كان راقيًا لو أنّ السيّد أصفهاني التزم بما زعمه. عندها كان الناتج المستهدف أكثر فعاليّة وأكثر تأثيرًا في نفوس المتابعين.

يبقى أن نؤكّد للسيّد أصفهاني ولسواه، بكلّ محبّة واحترام، أننا بالحبّ القومي الكبير الذي تعمر به نفوسنا نحن السوريين القوميين الاجتماعيين، سنواجه كلّ افتراءٍ والتواءٍ وادّعاءٍ بهدف المحافظة على صفاء وعظمة العقيدة السوريّة القوميّة الاجتماعية، وإن اضطررنا أحيانًا أن نقسوَ، فقسوتنا هي من صميم هذا الحبّ.

وليس لنا في الختام إلّا أن ننهيَ بتحيّة بلادنا العظيمة الرائدة، وتحيّة القائد المعلّم:
لتحيَ سورية وليحيَ سعادة.

الرفيق نايف معتوق في 18 أيلول 2016

 

أجاز عميد الإذاعة نشر هذه المقالة.

 
فرديّ يسقط فرديّته طباعة البريد الإلكترونى
نايف معتوق   
السبت, 17 سبتمبر/أيلول 2016 10:56

في لقاء تلفزيونيّ ضمن برنامج حوار اليوم على شاشة الـ "أو تي في" "otv"، وفي سياق الحلقة (تاريخ 3 آب 2016)، مع المحاوِرة جوزفين ديب ادّعى السيّد جبران عريجي أنّ الرفيق جورج عبد المسيح حاول ممارسة "إطار من الاستحواذ والتفرّد" في الحزب السوري القومي الاجتماعي؛
ادّعاءاتٌ اعتدنا عليها ممّن تشرنقوا في الباطل وغرقوا في التواءاتٍ تركت بثورًا سطحيّة على الكيان الحزبيّ، ولكنّها عجزت عن أن تنال من صحّة بُنيته؛ كون الحزب السوري القومي الاجتماعي هو المعبّر عن حقيقة المجتمع السوري، بكلّ خصائصه النفسيّة والمادّيّة العاصية على كلّ الترّهات التي تفسد صفاءه وعظمته، والتي لا تشوّه ألَقه السوءات الفرديّة، مهما كثر عدد الأفراد، فهذه السوءات تنتهي مع انتهاء الأفراد؛ ربّما تعرقل، ولكنّها أعجز من أن توقف أو تعطّل.
هذه الادّعاءات تتوزّع على مجموعاتٍ؛ منها مخطِّط متجاهل لغايةٍ في "نفس يعقوب"، وأخرى جاهلة تنقلُ ببغائيًّا، ومنها مسايِرة علّها تحافظ على منافعها الفرديّة أو الفئويّة؛ وفي كلّ حال تبقى هذه المجموعات ومثيلاتها خارج دائرة الحقّ والحقيقة، رغم أنّها تجهد للحفاظ على باطلها، لأنّه مادّة استمرارها.
سهلٌ أن نرميَ التهم، خاصّة إذا تأمّن لصاحبها منبرٌ إعلاميٌ يشكّل نوعًا من الحصانة الآنيّة بحيث يبقى في حينه خارج المساءلة والمحاسبة. ولكنّ هذه المساءلة والمحاسبة تبقى في عهدة الملتزمين عقائديًا وأخلاقيًا، وفي عهدة التاريخ الذي لا يرحم، ولا تحميه إطلالة من هنا وتهمٌ من هناك.
كلُّ رميةٍ فكريّةٍ نرميها، يُفترضُ أن ندعّمها ببراهين ووثائق، وإلّا كانت افتراءات وادّعاءات تدين صاحبها في السياق، ولا تصمُ المتّهَم البريء بشيء، اللهمّ إلّا ما تتركه من آثارٍ سلبيّةٍ، تتطلّب وقتًا لإزالتها.
أن يتّهم عريجي جورج عبد المسيح بالتسلّط فأمرٌ يفرضُ على مطلقه مسؤوليّة خلقيّة وفكريّة وتاريخيّة وعقائديّة، لأنّ إطلاق العموميّات بعيدًا عن إثباتاتٍ وشواهد قد تُفسدُ نفسيّاتٍ تجهلُ الحقائق، فيغزو الباطل نفوسًا كان يمكن أن تكون مادّة بناء، فنكون بالتالي دعاة تخريبٍ وتشويشٍ، وعناصر تصدّعٍ وتدمير، في الوقت الذي ندّعي فيه أنّنا نبني ونعلي مداميك البناء، إلّا إذا كنا نعملُ للتخريب والتصدّع والتدمير عن قصد.
وإذا كان التبرير بأنّ المناسبة لا تسمح بالتفصيل، فتبرير مردود، لأنّ كرامات الناس ليست ملكًا لحاقدين أو جاهلين أو متجاهلين، يسترون عوراتهم وانزلاقاتهم المسيئة بادّعاءات منحطّة تنضحُ بما في نفوسهم. فإمّا أن نوفّي الموضوع حقّه أو ندعه ليكون جاهزًا وموثّقًا في حينٍ آخر.
رميُ مثل هذه الهنات والافتراءات والادّعاءات أمام المواطنين، ومن على شاشات التلفزة، لا يشرّف صاحبه، وهو يقفز فوق كلّ دليل، أو يتجاوز الأدلّة، ربّما لأنّها قد تفضحه، وتضعه في قفص الاتّهام، أو في دائرة الحكم المبرَم.
ولمتابعة هفت السيّد عريجي، وفي عودة إلى النصف الأوّل من الخمسينيّات، وبعد استشهاد سعاده، انتقل الرفيق عبد المسيح من "الغار المعلّق" إلى دمشق في ظروفٍ، لو أحاطت بأحدٍ من مروّجي الادّعاءات الفارغة، لحوّلتهم من طواويس إلى خفافيش. في دمشق راح يجهد لجمع الهاربين وحثّهم على العمل كي لا يُهدر دم الفداء هباءً، علمًا أنّهم كانوا يخشون العمل ويتهيّبونه (ضرورة قراءة الجزئين الرابع والخامس "من أيّام قوميّة")، لكنّ إصرار الرفيق عبد المسيح على متابعة تحمّل المسؤوليّة الأولى التي فوّضها الزعيم له قبل الاستشهاد، جعلهم يستجيبون لدعوته، كلّ من خلفيّة خاصّة، وينطلقون للعمل، رغم المماحكات الفرديّة التي أثّرت سلبًا على العمل الحزبي.
نورد هذا باختصار لكي نؤكّد على دور عبد المسيح في دفع العمل الحزبي إلى الأمام، في الوقت الذي كان كثيرون يراهنون على أنّ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ قد انتهى.
بعد هذا نسأل: أين كان عبد المسيح متسلّطًا؟ هل في التزامه النظاميّ أمام المجلس الأعلى؟ أم في تحمّل مسؤولياته التنفيذيّة كرئيس حزب، فلا يدَعُ التقصير يخيّم على بعض العمد، فيعمد إلى القيام بالصلاحيّات المنوطة بهم حين يقصّرون، لأنّه المسؤول التنفيذيّ الأوّل، يُسأل حين يقصّرون؟ إذا كان تحمّل المسؤوليّة "تسلّطًّا" فنِعْم هذا التسلّط. لا بل كان يجب أن يكون أكثر "تسلّطًا" تجاه الفئة المخرّبة التي ما زلنا نحصد نتائج مساوئها إلى اليوم.. ولنفترض جدَلًا أنّه كان كذلك، فأين كان المجلس الأعلى من هذا التسلّط، ألا تعطيه الصلاحيّات محاسبة الرئيس؟ فلماذا لم يحاسب إذا ثبت أنّ هنالك مخالفات؟ فإمّا أنّه متواطئ، وإمّا أنّه عاجز، وفي كلا الحالين، هو من يجب أن يحاسَب. فلماذا التركيز على عبد المسيح رئيس الحزب وليس على المجلس الأعلى؟ "إنّ وراء الأكمة ما وراءها". وإن التصويب على عبد المسيح والعقائديين له أسبابٌ أخرى، منطلقاتها في مكانٍ آخر، حيث رعاة الانحراف.
ونسأل أيضًا: إنّ من كان متسلّطًا هل يقدّم استقالته مرّاتٍ عدّة من أجل تسهيل مسار العمل الحزبي الذي كان يظنّ أمثال عريجي أنّه معرقَل بسبب عبد المسيح؟ هل اطّلع عريجي أو سمع بما قاله عصام المحايري آنذاك، دعوا عبد المسيح في المسؤوليّة، ولنعمل على تشويه سمعته أمام الرفقاء، فنخرجه عن طوره وندفعه إلى الاستقالة؟
أما كان من المفروض أن يعدّد عريجي المحطّات التي كان فيها عبد المسيح متسلّطًا من أجل أن نوضح كلّ نقطةٍ على حدة؟ ألا يدفعنا هذا الافتراء إلى تساؤلٍ مشروع: هل إنّ السيّد جبران عريجي اطّلع على تاريخ الحزب بعمقٍ في تلك الفترة؟ أم أنّه على غرار الغرّ من الشباب المغرَّر بهم، على رغم سنّه المتقدّمة، حين طُلب من أحدهم أن يدرس "المحاضرات العشر"، فانتفض وقال بغضب دعونا من عبد المسيح! لكأنّ "المحاضرات العشر" هي لعبد المسيح، وإن كان هو من دوّنها؛ هذا ما لُقّنه خلال الحملة التي استهدفت عبد المسيح، وما زالت؛ إنّنا لم ولن ننسى أسلوب الانحراف مع كلّ مبتدئٍ في درس العقيدة؛ لقد كانوا يمهّدون لذلك بدفع الدارس إلى أن يحقد على عبد المسيح أوّلًا، وبعدها يعودون للعقيدة، إن عادوا؟
إنّ تهمة "التسلّط" التي لصقها عريجي بعبد المسيح، وهي واحدة من تهمٍ كثيرة أعدّها الانحراف من أجل ضرب العقائديين، وفي مقدّمهم عبد المسيح، تدلّ على عدم اطّلاعٍ معمّق، إن بالنسبة لتاريخ الحزب، أو بالنسبة للعقيدة القوميّة الاجتماعية؛ وما نسمعه منه على شاشات التلفزة، يكشف عن سطحيّة عقائدية واضحة، بعكس انغماسه في السياسة الدارجة حيث يغتبط لها ويسترسل، وبالتالي لا يختلف عن السياسيين الآخرين إلّا من حيث الجنوح نحو هذا الفريق أو ذاك.
إنّ السيّد جبران عريجي، في ادّعاءاته، إنّما يستعين بأخبارٍ سمعها ممّن حملوا الحملة على عبد المسيح، تارةً تحت عنوان "التسلّط" وتارة تحت عنوان أنّه أمر "بقتل المالكي"، وثالثة لأنّه "وضع تفسيرات عقائدية غير صحيحة" ورابعة لأنّه "حرّض الرفقاء على المركز". والواقع أنّ هذه جميعها تبريرات تخفي وراءها السبب الحقيقيّ؛ والسبب الحقيقيّ أنّه لم يخضع لترغيب الأميركان وترهيبهم، وأنّه لم يخضع للابتزاز المالي من قِبل الداعمين العراقيّين ورعاتهم، الذين شدّدوا على الزاحفين وراء المال والسلطة بضرورة إبعاد "الجناح المتطرّف" عن الحزب، وعلى رأسهم عبد المسيح، لكي يستمرّوا بدعمهم والتعاون معهم؟
إزاء هذا الشذوذ العقائدي والمسلكيّ، طالب عدد كبير من القوميين الاجتماعيين آنذاك بضرورة إبعاد هؤلاء الذين نحروا الحزب والعقيدة من أجل منافعهم، وأعماهم تدفّق الأموال، فخانوا قسمهم وعقيدتهم وحزبهم، وخلّفوا مجموعات "تمجّد" انحرافاتهم، متوهّمين أنّ هذا الباطل سيسود وتختفي كلّ الوقائع الناصعة، ليسلموا من حكم التاريخ القاسي؛ لكنّهم لم يفطنوا إلى أنّ سيف الحقّ القاطع الذي لا يترك للغشّ مجالًا، ولا للكذب أرضيّةً، ولا للانحراف ممرًّا.
فعبد المسيح، بشهادة المعلّم وبشهادة عارفيه الخلّص عن قرب، ومن أجل التزامه العقدي والفكري والنظامي والخلقي، وضع كتفه إلى أكتاف من كان يظنّهم أنّهم أهلُ للثقة، إلّا قلّة، فطعنوه في الظهر، لكنّ إيمانه منعه من التمكّن منه رغم كلّ الأساليب البشعة التي استعملوها ضدّه؛ وهنا نذكّر عريجي وأمثاله من أنّ بعض هؤلاء استعملوا الأساليب نفسها مع الزعيم، فالمنحرف منحرف قبل ومع وبعد سعاده.
إزاء استسلام هؤلاء للباطل، نطمئنهم بأنّ عبد المسيح ورفقاء عبد المسيح هم تلامذة سعاده الذين أقسموا وكانوا مخلصين في قسمهم وسيبقون، وهؤلاء، مسؤولين إداريين أو غير مسؤولين إداريين، يكملون المسيرة الحزبيّة، رغم الصعوبات والعراقيل، وبهم وبأمثالهم ستنتصر الأمّة انسجامًا مع ثقة الزعيم بهم، وتلقّم المدّعين أحجارًا قاتلة.

في 8 أيلول 2016
الرفيق نايف معتوق
 
« البداية السابق 10 9 8 7 6 5 4 3 2 1 التالى النهاية »

الصفحة 4 من 20
الدخول



الرسائل الاكترونية

الاسم:

البريد الالكتروني:

تبرعات
لتبرعاتكم : Account Number: USD 001 180 0007183 00 1

IBAN: LB33 0053 0024 0011 8000 0718 3001 SWIFT: C L B L B B X