الثلاثاء 28 مارس/آذار 2017
جديد القومي
أقوال الزعيم
ثقافة وفن


حفل توقيع ديوان: "رقصة ع باب الضوّ" للشاعر مارون أبو شقرا طباعة البريد الإلكترونى
عمدة الثقافة   
الأربعاء, 28 ماي/آيار 2014 17:26
أقيم حفل توقيع ديوان: "رقصة ع باب الضو" للشاعر مارون أبو شقرا في فندق مسابكي، شتورة، وذلك نهار السبت الواقع فيه 17 أيار 2014.
حضر الاحتفال أدباء وشعراء وفنّانون ومدرّسون وسياسيون.. وقدّمته الشاعرة نجوى حريق. وقد استهِلّ بكلمة للرفيق الياس الغناج، تلاه الدكتور جورج الأشقر، ثم عرضت تلميذاتٌ من مركز رقص البالية في الكلية الشرقية، زحلة، بإشراف مديرة المركز الفنانة نجاح نجّار، رقصةً على أغنية: "وإنت جايي"، وهي من كلمات الشاعر وألحان الأستاذ جورج الصافي، وغناء الفنان الراحل وديع الصافي. بعدها ألقى الشاعران حبيب يونس وزياد عقيقي قصائد في المناسبة. واختتم الحفل بقراءات شعرية من قصائد الديوان قام بها الشاعر بمشاركة الشاعرة ميريام بستاني.
وفي يلي نصّ الكلمات والقصائد:
كلمة الرفيق الياس الغناج
أيّها الحضور الكريم،
لن أُثقِلَ عليكم وأحشر نفسي فيما لا أبرع فيه من نقد للشعر... إنّما هي انطباعات أوّلية أعرضها.
أول ما لفتني من الكتاب هو غلافه، الذي هو فعلاً "رقصة عَ باب الضو"... بورِك الراقص.. هذا العازف اللون.
شعر مارون، بالنسبة لي، جماليات تَترى... وأنا... ممتلئ نعمة.. بسببٍ من علاقتي به...
لقد سمّيته، مرّةً، الميرون.. وإنّكم تعلمون أنّ الميرون واصل وجامع قصديّ..
أراد مارون فتعرّفت، أو عرّفني هو، على باقةٍ يانعة نضرة... يتطارح معها الوجدان.. فيخصب المدى بمعنيَيه: المكاني والزماني.. و.. فيه أقيم.. فيه.. نعيمٌ لي...
أزعم، بحدود إدراكي، أنّ مارون يتمرّس بتكوير ثالوث القيَم: الحقّ.. الخير.. الجمال.. في واحدةٍ منها...
والثالوث، في الأصل، واحد.. أحد: آبٌ.. ابنٌ.. روحٌ قُدس، عقلٌ.. عاقلٌ.. معقول... ذلك لمن تسنّى له أن يعاين فيعاني نقطة البيكار.. حيث: "كان ما كان ممّا لست أذكره" (الغزالي)... وأنا أيضًا لست أذكر ما يكون، ولا أستطيع حجره أو حجزه في آلية ممكناتي من وسيلة التعبير...

أيّها الحضور،
لقد التزم مارون بالحقّ والخير... وشحن جماليّات شعره بهما.. وإن شفّ المدنف شاهد مولاه (مظفّر النواب)... مارون مدنفٌ بالجمال شفّ - فشاف... فشافَهَ...
وإذا قلّلنا أو طوّعنا علب قياساتنا الموروثة - قيودنا، فدرسناها، لننقيَ الحبّ من الزؤان.. فقد.. نَنقى...
هذا بعضٌ ممّا أقتنصه من تجربتي مع مارون، وأصلّي: "أدخلني في التجارب"...
أيّها الحضور،
في شعر مارون "أحوالٌ في أقوال"...
المسيح... الحسين... الحبّ حتى بذل الذات... الشهادة... الفداء... مريم... المرأة نوّارة الوجود.. شعشعانيّة عشتار الرهيفة البأس والعذراء دائمة الخصوبة... الطبيعة... النسغ...الزهر... الشجر... السماء... القمر... الفضاء... الأرض... الرسم... اللون... الضوء... الظلّ... الموسيقى... الرقص... سيمفونيّة التفاعل... الخمر... الفنّ... البخّور... الشمس... الشعر... الأصالة... الكرامة... الإرادة... الصراع وبتواضع فائق... والمايسترو لها جميعًا... المناقب..
هذه، كلّها، قرابين في صلب ذائقتنا.. منبثقة من عراقة وعمق ثقافتنا في الزمان... ولأنّها قرابين، فإنّ مارون يواصلها.. بفعل المناولة معها... هو.. يتناول هذه القرابين عبر "اللوغو" الكنعانيّة - أضاف اليونان إليها السين فأصبحت لوغوس - أي: العقل.. الفكر.. المنطق.. الروح.. الكلمة.. الوجدان.. و"لوغو" صارت في راهنيّة لفظنا: لغة (في العربية).. وLangue (في الفرنسية).. أو رمزًا مفعمًا بدلالة تستغرق مدلولها...
هي مصطلحات، نحن، نباين بين مضامينها، ولا أقول تتباين مضامينُها... جميعها، في الرواقية، واحدة: الطبيعة الطابعة متجلّية في الطبيعة المنطبعة، وسبينوزا، أيضًا، يرى ذلك فيما بعد...
هي: اللوغو - الكلمة واسطة العِقد في آفاق التوحيد الدرزي... وهي قصد الله ووسيلته عبر جبريل لدى محمّد... وفي البدء كانت وبها كان كلّ شيء ممّا كوّن مع يوحنا...
إنّها.. هذه الجوّانيّة - السرّ الكائنة المكوّنة...
ومارون.. يتعشّقها مناولة فيتمرّس بطقوسها ويدخل ملكوتها.. وبشفاعته نعاين نحن الملكوت في "رقصة عَ باب الضو" يفتح مارون الباب لنا.. ينهمر علينا الضوء.. تغمر المريدين الوالجين دَعَةٌ فيها رواء روعة المكاشفة... فَـ... يستخفّنا الطرب..
لن أقدّم نماذج من نصّ مارون برهانًا على ما قلت.. فالجَنّيّات (نسبةً إلى الجنّة) لديه - حوره العين... عذريّتها في تلاوته...
إذن.. هلمّوا نسمع... ونقرأ.. لكن باسم الشعر هذه المرّة... ما ينبلج عن "مار أون" - أون أو آن هو اسم الأول-الله عند أجدادنا السومريّين - فنتواكب وإيّاه.. في رحلة روح.. على.. رفرفاتٍ حلوة.. هي التحيّة...
***
قصيدتا الشاعر حبيب يونس
بَدَّكْ قَصيدي؟
تْنَيْنْ:
إِسْمَكْ وديوانَكْ...
وِكِرْمال الْعينَيْن
الْقَنْطَرو الجِّسْر
لْـ بِجِبْ جَنّين
تِكْرَمْ عَيْنْ...
1- إسمك: مارون تزغير مار. ومار بتعني السيد. وهيك بيصير مارون، السيد الزغير يا صديقي السَّيِّد الكبير:
سَيِّدْ زغير بْجِبْهتو بْتِقْرا
قَمْح وْكِبَرْ:
الْواو سِنْبِلْة الْحَرِفْ
وِالنّون مِحّايِةْ عَتِمْ
حَرْفَيْن ما بيزَغّرو
وْلا زَغَّرو
أَصْل الْإِسِمْ...
عاش الْإِسِمْ...
بيكَبّروه...
وْجِبّتو إِنْطاكيا
وْكِلّ الشَّرِقْ؟
يا جِبّتو الْوِسْع الدِّني،
وْقورُشْ جَبَلْ رِهْبان،
إِمِّةْ ناس فِلّاحين
ما صَلّو وما رْتَسْمو،
وْمَعُنْ هُوّي رْتَسَمْ،
إِلّا عَ إِسْم السَّيِد...
بْدَيْر الْحِلِمْ...
سَيِّدْ زغير بْكِلْمتو بْتِقْرا
نْبيد وْزَهِرْ
فينيقيا وْضِحْكِةْ نَهِرْ
رَنِّةْ جَرَسْ،
قوني بِقَنّوبين
بِشْبِيِّةْ صَخِرْ،
وِوْتار بيصَلّو
بِمَحْبِسْة النَّغَمْ،
وِدْفوف بِدَيْن الْقَوافي
يْرَقّصو النَّقْرا
مْن بْعيد جايي السَّهْل
عَ ضَهْر الْفَرَسْ
خِيّال مِنْ بَيْت الْحِبِرْ
سارِجْ تَراتيل الشِّعِرْ
عَ صَهْلِتا الشَّقْرا.
2- ديوانك: "رَقْصا عَ باب الضَّوّ"...
قِرْبانِةْ شِعِرْ بِآخر قِدّاس يا رَيْتني كْنيستو...

رَحْ خَبّرِكْ قِصّا...
ما خِلْصِت الرَّقْصا...
بَعْدِكْ زغيري
وْروس صابيعِكْ
عَ باب الْعَتْم
مِتْل شْموعْ،
وِالضَّوّ...
عَ خَصْرِكْ الرّاهِبْ
يِعْتِرِفْ: مَوْجوعْ،
كِلْما مِشي حِفْيان
دَرْب الجِّلْجلي
وِجِّكْ يكِنْلو سَبْت نور
يْفيض ما يْساعو ديوان
وْيِنْفِتِحْ...
يوعا الصِّبِحْ
يِتْضَيَّف الشَّمْس
اللي جِدّو فَيَّقا مْن النَّوْم
- قال - وْعَوَّدا تِطْلَعْ
وبَعْد بْطَعْمِة الْأَرْض
اللي غَمْرِتْ طَلِّتا... عَقْصا...
وْيِعْزُمْ عَ تِرْويقِةْ صَلا
جْراس الْقِيامي
وْسَيْف حَقّ بْكَرْبَلا
وِالْمَيْدَني
بِالْمَسْجِد الْأَقْصى...
بَعْدا القِصّا بْأَوَّلا
وْما خِلْصِت الرَّقْصا.
بَعْدِكْ زغيري،
بِالرَّقِصْ ما في بِكي
وْلا رْكوعْ
بيكون ساجِدْلِكْ فَضَا
وْمِنْ تَحْت صابيعِكْ
فَلَشْ سِجّادتو الِمْنَجّمي
وْعينَيْه عَ السَّبْلي
لْـ بِجِسْمِكْ شايِفا
بْتِتْمايَل وْبِتْضَلّ تِتْغاوى،
ويِحْلَمْ يِقْطِفا
خايِفْ شي يَوْم يْجوعْ،
عَمْ تِرْقصي
يْطيرو عينَيْه طْلوعْ...
إيدَيْه حَوْر وْغامرِكْ
وِبْضَمِّة عْصافير،
بِالْفَيّ لْـ عَ آخِرْ شالِك
مْعَلّا خيالِكْ، ظاهرا...
صار الْفَضا مَرْفوعْ.
بَعْدِكْ زغيري
وْقال... تَ "تْعِدّي مَعو
تْعِدّي عَ إيدَيْكي
شو كْتار عينَيْكي"
بِالْعَدّ خَلّي الصَّوْت
مِتْل الرَّقْص
مِشْ مَسْموعْ...
عَ السَّكْت
كِلُّنْ رَحْ يِجو
تَ يِفْتَحولِكْ تِرْقصي...
بَعْدِكْ عَ باب الضَّوّ؟
إِنْتي الْقَصيدي
وِالْيا رَيْت بْتِكْتبِكْ وِاللَّوّ...
فوتي... تَعي
وْتَ تِخْلَص الْقِصّا
وِتْبَلِّش الرَّقْصا
بْطَرْبوش "نَصْري" تْكَلَّلِي
وِتْعَمْشَقي
بْشِلّال "صافي" وْمَرْجحي
خْصور الزَّهِرْ وِتْمَرْجَحي
صْواتُنْ جَرَسْ
بيمَشْوِر دْروب السَّما
وْما في، ن رِحْتي... رْجوعْ...
"فَيْروز"
مِنْ "حَاج تْعاتِبْني"
وْعَ بُزُقْ "عاصي"
وْشِعِرْ "مَنْصور"
تِرْشَحْ خابيِةْ غِنِّيِتا
وْمِنْ خَمْرِتا
تِسْكُبْ بِصَوْتا خْشوعْ،
"يارا" وْ"دُلْزى" وْ"رِنْدَلى"
وْإيل الْبَدِعْ بَيُّنْ
وزَحْلي هَوْن
عَ مَرْمى حَرِفْ،
ع الْكان بِالْبال
وْبَعِدْ ما كان
وِبْعَلْبَكْ صَبيعو تْحَوْرِب،
وْعَ السَّيْف وِكْتاب الْوَرِدْ
خَلّى الزَّمَنْ مَشْقوعْ...
وِكْتار غَيْرُنْ
مِنْ "كفَرْغِرْبي"
لَمَعْلولا الصَّخِرْ
لَكْفَرْحَمام الْطايِر
لْوادي النَّصارى
وْمَرْمَريتّا
وْحامِل زْغَرْتا بِقَلْبو
وِالجِّرِدْ عَ جْوانْحو،
وِالْأَرْض طِلْعِتْ عَ السَّما
وْسَهْل السَّما
"غَرْدينيا" وْ"أورْتَنْسيا"
مَزْروعْ...
وِكْتار غَيْرُنْ بَعْد
بِكْنيسِةْ مارون الْمَحْبَرا
وْقِدّاسِك الْكِلْمي
وْطَعِمْ قِرْبانتِكْ
"رَقْصا عَ باب الضَّوّ"
عَمْ نِتْناوَلا
بْكاس الشِّعِرْ، مَرْفوعْ
مِنْ إيد راهِبْ حِبْر
ناسِكْ بِالدِّني
الْمِتْلو قلال قْلالْ
راضي يكون خْيالْ
وَنْ ما مَرَقْ يَسوعْ...
***
قصيدة الشاعر زياد عقيقي
غمّق يا حبر اللون
هاتو تقيل
الكتاب طلعت رسمتو... وبدّا
عتمة سوادا ... تقيل
بعد تقيل
ولا تقرّب ضوّ من حدّا
عالعتم بيهجّي طريقو زميل
وما في حرف بالليل يتهدّا
عتّم بعد..غطّا بحبر تقيل
جرار الشعر
شو بيغويا التقفيل
بيضوي الشعر كلّما العتم صدّا..
***
مارون...
ويهجيّ العتم قنديل
بيعرف العتمه
بيعرف يعدّا
عتمه .. وعتمة
وعا صبيعا يشيل
كركة الدهشة
يشيل... ويردّا
مارون..
لو مات العنب بيشيل
من كرم بالو حروف.. وتراتيل
وشي ألف الله
وشي ألف إنجيل
وكلّ السما
بيقطّفا ... مع إيل
وبينزّلا بيكركتو
تنزيل
وبيقطّرا بسطور
عا قدّا
***
مارون...
بكتابك رَقْصْ منحوت
بزميل ...مش بزميل
... باللمعه
برمح اللي كلّ ما عا جرح بيفوت
بتعلا قباب قباب... عالوجعه
الدهشة التقيتا إنت
صوب شطوط
بيتا الشرود
حكايتا الدمعه
تيابا ملح...
شعرا قمح.. مفلوت
صدرا صبح
شو رغيف للجوعه
جبتا لعندك
بنت ليل ... بنوت
طْعَمْتا الحلم
نامت شِعر عا ديك
وِعْيِتْ مرا...
بيتا ألف روعه
***
ضلّي ارقصي
يا بنت هالغابي
بيتك الليل
ونار عم بتجنّ
ورقصك ما حضيو في الحطّابي
أخدو الحطب
غفيو بليلن هنّ
ووحدو مارون بيعرف الخابي
حطّاب ليل ...
وكلّ ليل بفنّ
بيقصد الغابي
بيشرب الخابي
بيسهر ع رقص
بتغمرو ضبابي
بيوعى الصبح بيشوف
جسمو حروف
ومكسّرة عا مخدّتو الخابي
رقصو عليا هالجنّ
***
ضلّي رقصي
عالسطر المعلّق
حبلو ع سطح الغيم ..
سطح البال
لا تفزعي من السطر لو شلّق
عن فرستو ما بيوقع الخيّال
ضلّي ارقصي
خيال الدني مدنّق
ورقصك النار
...وخصرك الزلزال
يا كلمة المنموت تا تخلق
والضوّ من جرح العتم ينطال
ضلّي ارقصي
بال الدني مدنّق
وبال الدني بلا رقصتك ...مش بال
ضلّي رقصي ولولا ... السطر شلّق
يشلق سطر
كلّما شلق بيكون
شلقت سما...
تشقل..
أرض ع تلال
***

 
مقابلة مع نديم محسن طباعة البريد الإلكترونى
عمدة الثقافة   
الثلاثاء, 31 يوليو/تموز 2012 19:11
- ما هي قضيّتك الأساسيّة فيما قدّمته وستقدّمه من أعمال فنّيّة: موسيقيّة وشعريّة؟
• كنت أظنّ في البدء أنّنا نعبّر بعملنا الفنّيّ عمّا نراه قضيّتنا، كائنًا ما كانت، فإذا بي أجد ظنّي بدائيًّا! فنحن لا نعبّر بالفنّ بل ننوجد به! ولا نسخّر الفنّ بل نتحقّق به! نحن لا نجيّر الفنّ لقضايانا بل إنّه هو هو قضيّتنا بذاتها إنّما بلغة الجمال، وسموّ أيّ قضيّة نابع من جماليّة نبضها ومن وجودها في الفنّ!

- كيف ذلك؟
• رغم الظلم الذي حلّ بفلسطين، مثلاً، والمآسي التي أحاطت بمسألتها ومحاولة قتلها، إلاّ أنّها ظلّت تتنفّس، لأنّها مشبعة بالفنّ ومسكونة به. أرض محتلّة، لا اعتراف دوليّ، إلغاء هويّة، سلب حقوق سياسيّة ومدنيّة، فقر، منافي، ظروف قاهرة، إلاّ أنّ حقيقتها انبعثت مسرحًا ورقصًا وتطريزًا وأفلامًا ورسومات نابضة بالحياة والألوان والأفكار والتأمّلات، إضافة إلى الشعر والأدب. لا أقصد هنا أن الفنّ كان حاضرًا في فلسطين قبل الاحتلال وظلّ بعده، بل أنّ المسألة الفلسطينيّة تحتوي على عناصر قيَميّة وعاطفيّة وفكريّة بامتياز وفيها عناصر تراجيديّة وجماليّة ومشهديّة هائلة، ما يؤهّلها لتكون خالقة للفنّ. إنّ الدافع التحريضيّ للإنتاج منبعه ما تختزنه المسألة الفلسطينيّة من جماليّة ووجودها المفعم بالفنّ مسرحًا طبيعيًّا وحقًّا منطقيًّا وحلمًا مفتوحًا. ولدَيّ شعور أنّ حتّى العمليّات النوعيّة التي لطالما ألِفها الفدائيّون عبر الحدود نحو الداخل المحتلّ كانت لمنفّذيها مزيجًا من اللوحة والفيلم واللعب والحبّ. لم تستطع المأساة في فلسطين أن تطغى على الجمال! لم تستطع همجيّة الإحتلال أن تسحب الفنّ من العروق!
أمّا المسألة اليهوديّة في أوروبا، مسألة حقوق اليهود وحرّيّة ممارسة إيمانهم واندماج الغيتو اليهوديّ الدينيّ - الاجتماعيّ بمجتمعه ومحيطه، فلم تنتج فنًّا من أيّ نوع، لا بالهويّة ولا بالقضيّة ولا بالرسالة الإنسانيّة، طوال الفترة الممتدّة عبر القرون الوسطى فعصر النهضة. أمّا الفنّانون المولودون يهودًا الذين قدّموا أعمالاً فنّيّة متفرّقة خلال عصر التنوير، فقدّموها أوروبّيّةً وكأفراد أوروبيّين، ولم تكن أعمالهم الوجهَ الفنّيّ "للمسألة اليهوديّة". لم تستطع "المسألة اليهوديّة" أن تبتكر حياة فنّيّة لها في أوروبا، بل هي تمّ نبشها سياسيًّا وحلّها عسكريًّا في مكان آخر: "غيتو" كبير في أرضنا.

- ألا يكون الفنّ إلاّ جميلاً؟
• الفنّ إشراقة العيد من الأيّام! أقلّه استخراج للجمال وأقصاه استنباط له! أي أنّ الفنّ في حدّه الأدنى إظهارٌ للجمال المضمَر والمخبَّأ، وفي حدّه الأعلى اختراعٌ لجمال ما. والعكس صحيح. كلّ استخراج لجمال أو استنباط له هو فنّ! فالعلاقة بين الفنّ والجمال علاقة كفاية وضرورة، ما دفع كانط في أواخر القرن الثامن عشر للتحدّث عن "فنون جميلة".
ثمّ إنّ الفنّ هو القدرة على الخلق الكامنة في أيِّنا، قدرة الخلق هذه التي هي بعض الطبيعة الكونيّة فينا. فما عاد مفهوم الخلق كما كان عند التفكير الأوّليّ للإنسان لناحية لحظة خلق محدّدة وتامّة بإرادة إلهيّة. وتمامًا مثلما يتمدّد الكون ويخلق فضاءً لم يكن قبل التمدّد، كذلك هو الفنّ: بعض عمليّة الخلق الكونيّة التي ما تزال تتمّ على كوكب الأرض، بمعنى تكوين لِما لم يكن! وفي هذا الجديد، في هذه الإضافة الإنسانيّة الحرّة يكمن الفنّ. لذا، لا يمكن لأيّ عمل حديث لا يحمل جديدًا أن يكون فنّيًّا. الفنّ إذًا ليس بديهيًّا، فهو يحمل جديدًا، والجديد غريب، والغريب يستوجب التفكير والتأمّل والانفتاح.

- تُشدِّد على الربط بين الفنّ والخلق. أتَفْصل الفنّ عن الواقع؟
• لست ممّن ينظّرون لانتماء الفنّ إلى عالم فوقيّ منفصل عن الواقع وكأنّنا في عالمين واحد مادّيّ اقتصاديّ وآخر روحيّ فنّيّ، أو واحد واقعيّ حياتيّ يوميّ وآخر افتراضيّ خياليّ أبديّ. ولست ممّن يعتقدون أنّ الفنّ غصون وفاكهة بلا جذور. فنحن في وحدةٍ حياتيّة نابضة يثبت العلم يوميًّا حقيقتها كسياق Process وليس كأجزاء الماديّ منها بمواجهة غير الماديّ.
إن النظرة الثنائيّة إلى الوجود، أي روح "و" جسد، أو مادّة "و" روح، نمت فلسفةً في أثينا مع الثلاثي الفلسفيّ سقراط - أفلاطون - أرسطو ثمّ ترسّخت مع ما عُرف بالأديان السماويّة وثمّ في القرن السابع عشر مع فلاسفة ثُنائيّين ومنحازين للمعرفة الحسّيّة أو لتلك العقليّة كهيوم ولوك وديكارت، ولكنّ تقدّم التجربة الإنسانيّة الحضاريّة الاقتصاديّة الفكريّة العلميّة أوصلت هيغل وثمّ ماركس وإنجلز إلى فهم التاريخ نتاجًا لجدليّة قطبَيّ الثنائيّة الروحيّة والماديّة أي لتفاعلهما (وإن كان من وجهتَي نظر مختلفتَين). بعدهما تقدّم من المشرق أنطون سعاده في الاستنتاج، حين بدأت طلائع العلوم الحديثة بالظهور، وكان قارئًا لنتائجها كما يُستنتج من مصادره، فقال بالفلسفة "المدرحيّة"، أي الماديّة - الروحيّة دون تفضيل أو تقديم لأحد المظهرين على الآخر. ولكن لم يشرح سعاده كثيرًا في هذا المجال، باستثناء ذكر التعبير المدرحيّ والتحدّث باقتضاب عن ضرورة الأخذ بهذه النظرة للخلاص من النظرة الموغلة بالماديّة ومن تلك الموغلة بالروحيّة وتصادمهما. وباعتقادي أن شحّ تفسيره وعدم توسّعه في هذا المنحى المهمّ والخطير من فكر كان يصوغه يعود إلى فقر المرحلة بالمعلومات العلميّة التي كان يمكن له البناء عليها للتوسّع في شرحه. أمّا الآن، فإنّ العناصر العلميّة أصبحت غنيّة ووفيرة وكلّها تؤكّد على المنحى الوحدانيّ لمكوّنات الوجود الإنسانيّ الذي نظّر لتفاعليّته الفلاسفة الألمان ثمّ استشعر سعاده وحدتَه. فمثلاً، بتنا نعرف أكثر ليس فقط عن علاقة الفيزياء بالكيمياء بالبيولوجيا وعن انبثاقها من بعضها وارتباطها "العضويّ" ببعضها بل والأهمّ عن كيف حصل ويحصل ذلك؛ ومثلاً، بتنا نعرف أنّ العمل الجديد لأيّ إنسان يدفع بالدماغ لإنتاج عصبويّات Neurons جديدة تشكّل شبكات اتّصال جديدة فيما بينها أي تفكير جديد يؤدّي إلى إمكانيّة عمل جديد؛ ومثلاً، لا تنتقل فقط الخصائص "المادّيّة" جينيًّا بين الأجيال بل إنّ التجربة الإنسانيّة نفسها، من عمل ومعرفة وتفكير ومواقف وأحاسيس، تنطبع أيضًا على ما هو مافوق-جينيّ Epigenetic وتنتقل وراثيًّا عبر الأجيال؛ ومثلاً، تدرّج البحث القديم حول مصدر ماهيّة الإنسان وكيفيّته: من ثنائيّة هل الطبيعة (البيولوجيا والمحيط) أم التطبّع (الثقافة) Nature vs. Nurture إلى تشارُك الطبيعة+التطبّع، والآن وصل إلى مفهوم الطبيعةXالتطبّع، أي تأثيرهما المتبادل على بعضهما من خلال الإنسان: ليس من طبْع نهائيّ للإنسان ولكن أيضًا ليس له من طبيعة نهائيّة، وإذًا إنسان دائم التكوّن! فالجينات الـ000،22 لكلّ إنسان تحمل فيما تحمل إمكانيّات تصيغها التجربةُ والمحيط والظروف باتّجاه أو بآخر أو بآخر، فتعود الجينات المتأثّرة هذه التي هي الفرد البشريّ وتخلق تجربة جديدة، وهكذا. المنطق ذاته يسري على المستوى التاريخيّ الاجتماعيّ الأوسع، حيث العوامل البيئيّة - الاقتصاديّة - التكنولوجيّة - الفكريّة - السياسيّة - الفنّيّة تؤثّر في بعضها من خلال الجماعة، أو المجتمع، الكيان الحيّ. لذا الجماعة، المجتمع، البشريّة دائمة التكوّن أيضًا!

- ألا تخشى من أن يُفقدك كلامك في الفنّ ربطًا بالعلم والفلسفة قرّاءً ينتظرون كلامًا "سهلاً" في الفنّ أو السياسة؟
• لا يمكن المضيّ في حياتنا السياسيّة والاقتصاديّة - الاجتماعيّة والفكريّة والفنّيّة من دون علوم وفلسفة، أو بالتعامل معها كمواد للدراسة في المدارس والجامعات فحسب وكفى المؤمنين! كلّي ثقة أنّني سأكسب صداقة قرّاء ينتمون إلى القرن الواحد والعشرين بتحدّيّاته؛ كلّي ثقة بمن يثقون بذكائهم/ ذكائهنّ وليسوا بمستعدّين لتسخيف وجودهم/هنّ أو لتخفيفه!
... إذًا لا أفصل الفنّ عن الواقع، لكنّني أُنَزِّه الفنّ عن استنساخ الواقع، لأنّ إعادة إنتاج الواقع، وإن لِنَقده رسمًا أو رقصًا أو خزفًا الخ، تأتي من قوّة الملاحظة والحفظ والذاكرة. لا شكّ أنّ في هذا ذكاء وقدرة وله دور في الحياة، ولكنّه ليس فنًّا، فالفنّ هو غير النسخ والنقل. وبحسب آخر الإختبارات العلميّة والتصوير المغناطيسيّ لحركة الدماغ بواسطة تقنيّة الـfMRI، فإنّ الوعي هو غير الانتباه، والدماغ يستجيب لكليهما بطريقة مختلفة. إنّ أحد أسباب موقف أفلاطون السلبيّ من الفنّ بشكل عام، هو ما كان بعض الفنّ عليه في زمنه واعتباره إيّاه تقليدًا لتقليد. أيّ أنّ الفنّان إنّما يقلّد أو ينسخ أو ينقل ما هو في الوجود الظاهر، والذي هو بدوره وفي الأساس تقليد لما هو في عالم الأفكار والأشكال من كمال. بذلك، ركّز أفلاطون على بعض الفنّ المعني بالتقاط الظاهر وإعادة إنتاجه. غير أنّه أغفل أنّ الفنّ الفنّ هو في ابتكار ما ليس موجودًا أصلاً، وفي إيجاد علاقات تصل بين ما هو غير متّصل. الفنّ معرفة عميقة ودقيقة للواقع تصل في تميّزها إلى درجة تسمح بتجاوزه والتحرّر منه. من هذا الانفلات تنبثق الدهشة. وبالمناسبة، بات معروفًا أنّ لدى بعض الأفراد حالة امتزاجٌ للحواس بشكل كبير Synesthesia، فمثلاً، عندما يرى أحد الذين يعانون منها رقمًا أو يفكّر به إنّما يراه لونًا معيّنًا، أو إن يسمع نوتة موسيقيّة يجدها شكلاً هندسيًّا أو يستطعمها بنكهة محدّدة، وهكذا. واتّجاه الأبحاث بدأ يبرهن أنّ لدى كلّ إنسان نسبة معيّنة من هذا المزج، فحواسنا متداخلة أكثر ممّا نتصوّر، ممّا يدفع بعض العلماء إلى اعتبار هذا التداخل من العدّة النيورولوجيّة اللازمة التي يستفيد منها جميعنا في الخلق الفنّيّ.

- هل بمقدور أيّ إنسان أن يكون فنّانًا إذًا؟
• الشائع أنّ الفنّ "موهبة" حباها "الله" على البعض، أي وهْب منه، هو العادل، وتخصيص لهم. حتّى أنّ فرويد ذهب إلى اعتبار الفنّ أحد وسائل مجابهة الألم الذي تسبّبه، أكثر ما تسبّبه، العلاقاتُ البشريّة، وأنّه وسيلة لإعادة توجيه الطاقة الجنسيّة المتأصّلة، الليبيدو Libido، علمًا أنّ قلّة من البشر فقط، بحسب رأيه، قادرة على مجابهة مصادر التعاسة والألم عبر تطوير ذاتها في الاتّجاه الفنّيّ والفكريّ والعلميّ.
غير أنّ العلم الحديث يفيد بأنّ التشبيك الجينيّ لكلّ إنسان يهيّئ للخوض في الفنّ، لفهمه والتعبير عنه وبه وفيه. أمّا تظهير هذه الإمكانيّة وتنميتها فبحسب التربية والظروف والخبرة والتشجيع والمثابرة، أي المحيط. القدرة على التفنّن والحياة في الفنّ إذًا ليست وهْب من إله ما لأحد خاص، بل معطى طبيعيّ عام لكلّ إنسان ومن خصائص تطوّرنا نوعًا بشريًّا. كلّ إنسان قادر على النموّ فنّيًّا، إنتاجًا وخلقًا مباشرًا أو غير مباشر عبر التفاعل والفهم والتمتّع. الفنّ هو بعض تعريفنا كبَشر عاقلين!
لذلك، فإنّ الأمل بسلام عالميّ وحبّ دائم محتوٍ للوجود وفي آن قائمٍ فيه رهنٌ بانفتاح البشريّة ككلّ على الفنّ والجمال والخوض فيهما أكثر منه بتوقيع معاهدات سلام وأحلاف استراتيجيّة ومقرّرات مؤتمرات وحوارات دينيّة سخيفة واتفاقات أخوّة وتعاون، وكلّها على حدّ السكّين! إنّه رهن بأن يتحرّر الإنسان من وهم كماليّة الفنّ، ومن تسليعه أو أَرستَقرطته، فيصبح الفنّ-الجمال عالم كلّ فرد وكلّ مجتمع، بما في الفنّ-الجمال من إمكانيّات ومن خيارات ومن تنوّع.

- تقول الفنّ هو تعريفنا كبشر؟
• بشكل عام وسريع، نحن أوّلاً مادّة، ذرّات بأجزائها وتركيباتها، ومعادن على أنواعها ممّا هو موجود في النجوم، ونتصرّف على مستوى أوّل من ضمن القوانين التي تحكم المادّة. ونحن ثانيًا حياة بدائيّة حيوانيّة، ونستبطن الغرائز المتوارَثة كما الكثير من القوانين الحياتيّة الحيوانيّة، فنتصرّف على مستوى ثانٍ وفق آليّات تاريخنا البيولوجيّ الطبيعيّ المستمرّ منذ 3.7 مليار عام.
ولكن ما يميّزنا كبشر عاقلين فوق المستويين الأوّلين هو نسبة معيّنة من الإرادة الحرّة، ووَعْينا، وأجمل ما فيه وعينا الذاتيّ، كما لا وَعينا، وهو غير الغريزة، الذي غالبًا ما ينشط في الدماغ ويعمل أكثر من الوعي! الفنّ أحد مكوّنات الوعي البشريّ ودلائله ونتائجه في آن واحد!
الغرائز موجودة في غالبيّة الأنواع في هذه الطبيعة، أمّا "غريزة الفنّ"، على ما يذهب إلى تسميتها دينيس داتون Denis Dutton، والمقصود هنا الفنّ بما يحمل من "أنماط متواصلة للمصالح الإنسانيّة والإمكانيّات والأفضليّات" وبما يحمل من خبرات وتكثيف للعبر وتذكير بالتجارب التي تلعب دورًا مصيريًّا في البقاء وتعطي أفضليّة لحامليها من الجيل التالي (عودة إلى المسألة الفلسطينيّة، فكم لعب الفنّ الفلسطينيّ من دبكة وتطريز وشعر وغناء دورًا في بقاء القضيّة حيّة عند عامّة الناس وفي التحفيز على العزّ والكرامة والإصرار والنضال ممّا أكّد على بقائهم/هنّ والصمود والعودة تدريجًا، وساهم في عدم انقراضهم/هنّ بالمعنيَين البيولوجيّ والثقافيّ)، أمّا غريزة الفنّ هذه، فممّا يختصّ به النوع البشريّ العاقل Homo Sapien، وإن كانت الأبحاث حول حياة الإنسان النيندرتاليّ Neanderthal، العاقل أيضًا، تشير أيضًا إلى معرفته بالفنّ وممارسته له منذ أربعين ألف سنة، والأرجح علميًّا أنّ التزاوج بين الفرعين البشريّين نقل بعض الجينات المتعلّقة بالفنّ فيما بينهما. كما بدأت الأبحاث تشير إلى أنّ أنواعًا أخرى في مملكة الحياة تعبث بالفنّ على مستوى أوّليّ كطيور الـHammerhead التي تزيّن أعشاشها الضخمة بتفاصيل ملوّنة.
الغرائز، عامّة، هي ما مضى أمّا الفنّ فما يأتي؛ إنّها ما نجح من تجارب وخبرات عبر مئات ملايين السنين من التطوّر وبات مكثّفًا وموروثًا، أمّا الفنّ ففتْحٌ دائم لجديد. الغرائز لاإراديّة بيولوجيّة أمّا الفنّ فتفَجُّر حرّيّة: الأولى تكرارٌ وردّ فعلٍ مبَرمَج طبيعيًّا والثاني إضافةٌ وفعلُ تكوينٍ إنسانيّ.

- تقولون في أحد الحوارات "إنّ الفنّ الغرائزيّ حليف السياسة الغرائزيّة". فما هو دور الفنّ في السياسة؟ وما المقصود بالغرائزيّة الفنيَة والسياسيَة؟
• الفنّ رفيق الفكر، على الأقلّ منذ أصبح للفكر وجود وتاريخ، وللفيلسوف الألمانيّ هيغل رأي أَلاّ فنّ خارج الفكر. إنّه في بعض تجلّيّاته الفكر مُحلّى! وفي أصفى حالاته، الفنّ هو ما بعد الفكر! له قدرة على المضيّ من حيث يتوقّف مجال الفكر عن الخوض وتعجز اللغة عن التعبير. إنّ الفنّ نتاج تفاعل الوعي الشديد باللاوعي الغامض بالإرادة الراغبة في السيطرة على الكون وإعادة تكوينه بحسب رؤية العقل ورؤاه! إنّه ساحة التقاء الخارج الكونيّ وصخبه بالداخل الذاتيّ وغياهبه، والبرهان الحيّ الدائم لوحدانيّة الغاية والوسيلة. إنّه وحدة ثالوث الفكر والشعور والعمل. والذين ينتجون فنًّا، يحيون هذا الثالوث.
من ناحية ثانية، فإنّ السياسة على علاقة بمفاهيمَ وقيَم ومبادئ ومجالها تحقيق غايات الخير العام وإحلال الحقّ. غير أنّها كثيرًا ما تكون فضّاحة للمدّعين، كشّافة للمراوغين، من حيث أنّها تحمل التطبيق العمليّ للمفكَّر به والمتخيَّل. ثمّ إنّ الفكر والسياسة متلازمان: هويّتها الحقيقيّة منه كما أنّ بعض تجسّده الاجتماعيّ فيها.
الفكر إذًا هو الحلقة غير المرئيّة التي تربط الفنّ بالسياسة. وفي الواقع التفاعليّ للحياة، وفيما تتأثّر السياسة بالفكر والفنّ، فإنّها تؤثّر في خلق بيئة وظروف لإنتاجهما. وفق هذه الرؤية، لا يعود غريبًا سيطرة الفنّ الغرائزيّ على الحياة الفنّيّة في بلادنا وغيرها من البلدان المستهدَفة في اقتصادها وثقافتها وسيادتها، من موسيقى تُبجِّل الإيقاع وتلفّ حوله على نغمةِ جملةٍ لحنيّة مستعادة مستَذكرة، إلى شعر أغنيةٍ أسيرِ موضوعٍ أحدٍ هو سخيف العلاقات، إلى برامج تلفزيونيّة مُتخَمة بالعنف والخيانات الغراميّة، إلى أفلام ابتدائيّة الطرح والمعالجة، إلى مسرح نكتة لا تعلو على الزنّار! فهذه كلّها تتوافق وسياسات اقتصاديّة - اجتماعيّة لبّها الأنانيّة الماديّة والاستهلاك، وتتماشى وسياسات تعتمد التهييج الغرائزيّ وسُلطةَ الظاهر وثقافةَ الشِعار slogan ومعرفةً مصدرها الإعلان!
فقد طوّرت السياسات الطائفيّة والأحقاد الدِّينيّة والعِقَد العنصريّة والاقتصاد الرأسماليّ والاجتماع الاستهلاكيّ، وكلّها ترتكز على سهل التجييش والأنانيّات، "فنَّا" غرائزيًّا يسهل المتجارة به، ومن مكوّناته التكرار والسهولة، توظّفه لخلق حالة نفسيّة وعادات عقليّة لا تتّسع إلاّ لتلك السياسات، إذ يصعب على العقليّة التي اكتفت بالغرائز واعتادت عليها أن تُقبل على عقائد وفلسفات واجتماع وعلوم يحتاج فهمها والتفكير فيها إلى تركيز وتعمّق، فتنكفئ الناس إلى أحزاب سهلة الطرح دينيًّا أو طائفيًّا، شعاراتيّة عامّة و/أو رَيعيّة و/أو تقليديّة، كما تفشل "العقليّة الغرائزيّة" تلك في فهم السياسات الماليّة والعسكريّة المعقَّدة التي تتحكّم بعالم متداخل متناهش، وتنجرّ وراء الظاهر من السياسة والإعلام والإعلان. إذ يصعب على العقليّة المسجونة في التقليد أو الدِّين أو الطائفة أو الاستهلاك أن تسمح للجديد بالتنفّس، أن تعطيه فرصة الحياة لإنّها اعتادت الإعدام والإلغاء. فترفض أيّ جديد في الفلسفة أو الدِّين أو الفنّ أو العلم ألخ. أيّ قتل لشعب وحضارة وإمكانيّات أضمن، وأيّ احتلال أشرس؟!

- ما الفرق بين "غريزة الفنّ" التي استشهدت بها و"الفنّ الغرائزيّ" الذي تهاجمه؟
• كلّ الفرقّ! نحن نولد، مثلاً، مجهَّزين بغريزة الأمومة والأبوّة والبنوّة. إنّها ما تجعلنا آباء وأمّهات وأبناء وبنات متلاصقين ومتعلّقين ببعضنا منذ الولادة، فهذه الغريزة تؤمّن البقاء والاستمراريّة البشريّة. ولكن هذا لا يعني أنّنا كعاقلين/ات نكتفي بهذا المستوى البدائيّ من العلاقة، بل نجعل من العائلة مفاعلاً للحبّ والحوار والتربية والتعاون والتفكير ألخ. ومثلاً، نولد مجهّزين بغريزة اللغة، على ما يناقش ستيفن بينكر Steven Pinker في كتابه "غريزة اللغة" The Language Instinct وعالِم الألسنيّات نعوم تشومسكي Noam Chomsky، ولكنّنا نستخدم اللغة في أمور فكريّة وعلميّة وأخلاقيّة ولا نحدّها بالتعبير عن الغريزيّ. كذلك هي غريزة الفنّ، نحملها فتدفعنا نحو التفنّن، ولكن هذا لا يعني أنّنا كعاقلين/ات نكتفي بالبدائيّة في الفنّ، بل إنسانيّتنا العاقلة هي في التفنّن بما يليق ومستوانا الحضاريّ، وقضايانا، والتحدّيّات العصريّة. إنّ إنتاج فنّ غرائزيّ كالذي تسوّقه قوى الاستغلال والسيطرة، نتيجته ما نجده حولنا من تأفّف من كلّ لحن أو أغنية أو فيلم أو مسرحيّة أو كتاب أو علم أو نظريّة يتطلّب فهمها والإبحار في معانيها واحتمالاتها مجهودًا عقليًّا نفسيًّا عاطفيًّا. فنّ كهذا يوصَف بالمتعِب، أو الجدّي، أو الخطِر. ولذا، تسيطر آراء مُهينة وقناعات مذلّة من مثل أنّ الفنّ هو فقط للراحة والتسلية والاسترخاء، أي أنّ وظيفته أشبه بالحمّام التركيّ!

- ولكنّك لا تنفي هذه العوامل عنه.
• قد تنوجد هذه العوامل في عمل فنّيّ وقد لا تنوجد، فهي ليست من شروطه. فقد يدفع لحنٌ، مثلاً، المستمعةَ إليه للاسترخاء أو على العكس قد يحرّك فيها التفكير أو القلق.
أمّا المتعة، فهي حتمًا من عناصر الفنّ الأساسيّة. فلا فنّ من دون جاذب، ولا فنّ إن لم يَستدرج التمتّع والاندماج. غير أنّ المتعة لا تستوجب الاستهبال.
صحيح أنّ الفنّ لا يحتاج إلى كهنوت يفسّره وينطق باسمه ويفكّ طلاسمه، ولكنّ الفنّ يفترض العقل والتفكير والشعور والتأمّل لا قلّة العقل وكره التفكير وجفاف الشعور والقحط الخياليّ. إنّه لِمتلقّيه رافد أساسيّ من روافد توسيع الذات وتحفيزها.

- وكيف يستمتع الفنّان بإبداعه؟
• متعة الفنّ هي أثناء أكثر ممّا هي انتهاء. صحيح أنّ هدف العمليّة الفنّيّة هو المنتَج النهائيّ بالنسبة للمتلقّين وللحضارة والتاريخ، الصورة أو المنحوتة أو المعزوفة إلخ، ولكنّ العمليّة الفنّيّة بذاتها، بما فيها من تركيز وتفكير وحرّيّة وفرح واختبار وخيارات، هي ما تشكّل للفنّان نموّه والتحقّق كما والتجاوز. عند التأليف، يفرحني الوصول إلى المنتَج النهائيّ لأنّ التشارك به مع المحيط يصبح ممكنًا، غير أنّ السعادة الحقيقيّة تتفتّح أثناء عمليّة انسياب اللحن لأوّل مرّة نهرًا فجائيًّا أو، غالبًا، بنائه نوتة نوتة. وتمامًا مثلما الحرّيّة سيرورة ودفق وتحرّر مستمرّ متواصل تتحقّق خلال الممارسة، لا وعدًا في المابعد، كذلك هو الفنّ للفنّان، معناه في العمليّة الفنّيّة ذاتها، وخلال.


- ذكرت أكثر من مرّة الفنّ والحرّيّة معًا.
• هذا لأنّ الفنّ حرّيّة أوّلاً أو لا يكون! إنّ عملاً عبدًا للمال أو للسوق أو للشهوة أو للشهرة أو للنايت كلوب، أو عبدًا لأيّ أيّ، لا يمكن أن يكون فنًّا إنسانيًّا، مهما انصبّت عليه الكاميرات أو امتلأ به المرئيّ - المسموع أو مجّدته المطبوعات. إنّ في بعض فنون الإنكا، الحضارة المنقرضة، حياة وجمالاً وحقيقة أكثر ممّا تبثّه الكثير من وسائل الإعلام التي تطوّقنا.

- هل التجلّي أساسيّ في العمليّة الفنّيّة؟
• لا يمكن التعميم في أمر كهذا. بالنسبة إليّ، أستطيع أن أقول إنّ كتابة القصيدة أو اللحنّ الموسيقيّ أو الفكرة التصويريّة هي عمليّة تفكيريّة مركّزة وفي آن انعتاق. عندما أقرأ عن ذوي التجارب الروحيّة - الدينيّة، كالرهبان البوذيّين أو المتصوّفة، أجد كم أنّ ما يعبّرون عنه ليس بعيدًا عمّا أختبره وأحياه عند اندماجي إبان التأليف الفنّيّ؛ بالفنّ بتّ أفهم معنى الانخطاف! وصار واضحًا لي كيف يمكن للعِلْم أن يخطف، وللعشق، وللفلسفة. إن الانفصال عن كلّ ما هو معتاد أمرٌ باهر، وساحرٌ هو الانتماء الفجائيّ إلى عالم بلا حدود ولا تعاريف ولا فواصل، فسيح بمداه، كريم بخياراته، واحد بطبيعته، ومتعدّد بإمكانيّاته. شخصيًّا، لم أختبر التأليف الموسيقيّ أو الكتابة الشعريّة نتيجة إلحاح مزاج أو حضور "ملاك" الوحي الموسيقيّ أو الشعريّ. بل مارست التأليف الفنّيّ دخولاً إراديًّا إلى آماد تنتفي فيها الحاجة إلى الإرادة ذاتها على الإطلاق! آماد يتحرّر فيها الفكر من القوانين والمنطق والواقع، وتبقى منه زبدته النقيّة والمغزى الأصليّ؛ آماد يغدو فيها التفصيل كُلاًّ، رمزًا لما هو أصدق وأعمق وأشمل؛ آماد فيها كلّ ما في العالم الحقيقيّ إنّما برسم التغيير الجماليّ أو التفسير اللامعقول أو الإضافة المجنونة. لذا، فإن كان الكون هو، على ذمّة المتصوّفة، فيض "الله"، فإنّ الفنّ، كالعلم والفلسفة، هو فيض النفس-العقل!

- هل الأمر فعلاً بهذا البهاء؟
• مَن يمعن في هذا الوجود إنّما بحقيقته الفنّيّة أو العلميّة أو الفلسفيّة، يفهم كم أنّ عالم السلطة والمال سخيف، والمتطاحنون منافسةً على منافعه أقرب إلى الزوولوجيّة منهم إلى الإنسانيّة العاقلة! بفضل الفنّ والعلم والفلسفة، يصبح الصراع مسألة نبيلة ونقيّة، أمّا بدونها، فالصراع على السلطة يتمحور حول فرص الاستئثار والتحكّم والإثراء ولا يرتقي إلى مستوى الخدمة والخطّة والخير العام، كما أنّ الصراع على أرض يبقى في إطار القتال الغرائزيّ الزوولوجيّ على مناطق Territories ولا يرتقي إلى صراع من أجل الحقّ والعدل.

- أترى ما يجري في العالم العربيّ من تغيير بهذا المنظار؟
• إنّ الحراك الشعبيّ في العالم العربيّ بشكل عام، ومن دون الدخول في تفاصيل وخصوصيّات كلّ دولة منه، هو تعبير عن انفجار احتقان مزمن ضد أنظمة قمعيّة استئثاريّة فاسدة في الداخل، بائسة في التطلّعات، ذليلة في المواقف القوميّة والوطنيّة. وفي هذا، فإنّ الحراك منطقيّ وطبيعيّ وحقّ. غير أنّنا في عالم متشابك متداخل، والدول الفاعلة والمقتدرة صاحبة الاستراتيجيّات الكبرى والصناعات الكبرى والجيوش الكبرى والتخطيط المستقبليّ الأبعد والأبحاث العلميّة المتقدّمة لا تترك منطقة استراتيجيّة ترسم مصيرها بإرادتها؛ منطقة كالجغرافيا المشرقيّة والعربيّة عائمة على بحار من النفط الرخيص الاستخراج نسبة إلى النفط المكلِف استخراجه كما في مخزون أميركا والقطب الشماليّ وكندا، ومنطقة غنيّة بالغاز والمعادن، والأهمّ، بالمياه الجوفيّة الصافية كما في ليبيا، منطقة مفصليّة في موقعها بين أوروبّا والداخل الآسيويّ أو بين أوروبا والداخل الإفريقيّ. ففي حال أطاحت الشعوب فعلاً بالأنظمة التي لطالما كانت روبوتًا بأمر ريموت كونترول أميركيّ حلولاً وديمومة، وأقامت سيطرتها على ذاتها ومواردها، فإنّ المصالح الحيويّة للدول الفاعلة تلك تتعرّض للخطر الحتميّ. إضافة إلى أنّ الكيان الصهيونيّ/ القاعدة العسكريّة "الغربيّة" المتقدّمة في "الشرق"/ الحلّ التاريخيّ لقرون من التصادم المسيحيّ - اليهوديّ في أوروبا خاصّة منذ سقوط الأندلس/ توأم الاستيطان الأوروبّيّ لأميركا الشماليّة في الشرق الأدنى، هو في صلب المنطقة التي تشهد الحراك، ومصيره المتذبذب متعلّق بما تؤول إليه الأمور في المحيط الإنطاكيّ المباشر وفي المدى العربيّ والإقليميّ الأبعد. إنّ الاعتقاد للحظة أنّ حراكًا شعبيًّا تلقائيًّا، ويفتقد إلى تخطيط مسبق وقوى حزبيّة منظّمة ووجهة واضحة معلَنة، يمكن أن يصل إلى تغيير أنظمة على هواه في تقاطع جيو-استراتيجيّ مفصليّ في عالم اليوم المراقَب 24/24 من الجوّ والأرض والبحر بواسطة تقنيّات هائلة في تطوّرها وأجهزة استخباراتيّة توظّف ملايين بشر في خدمتها، هو اعتقاد تبسيطيّ إن لم يكن مريبًا. وليس بريئًا أيضًا عدوى الحراك الشعبيّ من شمال إفريقيا إلى جنوب شبه الجزيرة العربيّة إلى المشرق العربيّ، فكأنّما الثورات عدوى سريعة الاستنساخ، لا حدثًا تاريخيًّا تغييريًّا له عوامله ومساره في كلّ مجتمع. صحيح أنّ أنظمة العالم العربيّ متشابهة في قمعها وديكتاتوريّاتها إلى حدّ بعيد، ولكنّ المجتمعات العربيّة تستبطن ظروفًا ومعطيات وقوى ذاتيّة مدنيّة ودينيّة وثقافيّة واقتصاديّة واجتماعيّة مختلفة جدًّا في تركيباتها وعلاقاتها وحضورها وجهوزيّتها وفاعليّتها، ممّا يجعل اندلاع المواجهات خلال أشهر فقط على امتداد العالم العربيّ المقموع، بشكل عام منذ أربعين عامًا، سؤالاً أكثر منه جوابًا! ونظرة سريعة إلى نتائج الحراك في مصر وتونس واليمن وليبيا كفيلة بإظهار أوّلاً حدود التبديل المسموح به أميركيًّا - أوروبيًّا وثانيًا هويّة البديل!

- ما هو دور العلمانيّة والعلمانيّين اليوم وتحديدًا في ظلّ ما يحصل في كيانات الهلال الخصيب، وفي العالم العربيّ؟
الآن وهنا، وسط هذا الأخطبوط الدِّينيّ - الطائفيّ - المذهبيّ - السياسيّ - الإقطاعيّ - الرأسماليّ الطاعن في التوحّش، لم تعد العلمانيّة بمفهومها العام، أي فصل الدِّين عن الدولة، تجدي. فالمشكلة ليست في ربط الدِّين والدولة فحسب، بل إنّها أيضًا وأوّلاً في ماهيّة النظرة إلى الدِّين، كما إلى الدولة. على العلمانيّة أن تفكّك الدِّين وتتعامل معه ليس كمقدَّس بل كمنتج اجتماعيّ، وتدخل إلى مكوّناته الفلسفيّة والنفسيّة والفنّيّة والأدبيّة والرمزيّة والتاريخيّة والقيَميّة والفولكلوريّة لتفهمها من ضمن سياق تطوّر الإنسان تجربةً وتصوراتٍ وتوقًا لكشف المجهول. على العلمانيّة ألاّ تقف على أبواب الدِّين محتفلة بمنعه من الخروج إلى رحاب الدولة والسياسة والمجتمع وتركه مُلكًا للأفراد ومَلِكًا عليهم، بل أن تدخل إلى متاريسه ومخابئه وتحرّره من جموده وممّا يجعله سلعة بيد "رجاله" ومؤسّساته. عبثًا محاولة العلمانيّة فصل الدين عن الحياة، والتجربة الأوروبّيّة ما كانت لتصمد لولا جهد فلاسفة نهضتها، وثمّ بزوغ الإصلاح اللوثريّ والثورة العلميّة، وثمّ عصر التنوير وما حمل من مقاربات جديدة للتاريخ والوعي والإنتاج والاجتماع وما أنتج من فلسفات أضعفت - في نواحي تفكيرها بالدِّين وفهمه - المقاربةَ الإبراهيميّة (السماويّة) للإله فيما تفاعلت مع الفلسفات الشرقيّة وخاصّة البوذيّة والكونفوشيوسيّة، فأوجدت مفاهيم جديدة للدِّين كالدِّيانة الطبيعيّة والدِيانة الإنسانيّة وغيرها. لولا هذه المسيرة الحضاريّة التي حرّكت جمود النظرة إلى الدِّين، لما صمدت فكرة فصل الدِّين عن الدولة في أوروبا، والتي جسّدتها الثورة الفرنسيّة.
لا أقصد هنا الدخول في متاهة علمانيّة ملحدة أو علمانيّة مؤمنة، فثنائيّة الكفر - الإيمان مخادِعة، لأنّ الخيارين وجهان لمنظومةِ تعريفٍ محدَّدٍ وضيّق للدِّين ومشتقّاته، فيما تجربة العقل البشريّ الروحيّة منفتحة على خيارات متنوّعة أبعد وأغنى وأرقى من محدوديّة ثنائيّة الكفر - الإيمان.
من جهة ثانية، فإنّ النظرة إلى الدولة تحتاج إلى عمليّة بناء، لأنّ "الدولة" في بلادنا لم تكن يومًا. وهذا يعني، فيما يعنيه، بناء مفهوم المواطنيّة المشارِكة المسائلِة المراقبِة المحاسِبة على أقلّ تقدير، وثقافة المؤسّسات والمسؤوليّات والصلاحيّات والعلاقات والحقوق والواجبات. وتجربة العلمانيّين/ات في هذا المجال في "دُوَلِهم/هنّ" - أحزابهم/هنّ لا تختلف بشيء عن التجربة العامّة للشعب بدول كياناته السايكسبيكويّة.
بعد ذلك لا يعود من خطر على الدولة من الدِّين، ولا من الدِّين على الدولة، ولا يعود من معنى لفصلهما أو لوصلهما.
أمّا إن ظلاّ على حالهما بالنسبة إلى فهم الشعب لهما وممارسته لهما، فسيبقى مبدأ "فصل الدِّين عن الدولة" مهمّة شبه مستحيلة وإن أقرّه دستور مرتجى.

- كيف تقيِّم تجربة الأحزاب العلمانيّة في هذا الاتّجاه؟
أعتقد أنّ الخطأ التاريخيّ الذي وقعت فيه الأحزاب العقائديّة ذات التوجّه العلمانيّ أنّها اكتفت بالتركيز على معاداة الطائفيّة، وتراجعت عن الخوض في الدِّين ذاته. فالجهد الرائد الذي قام به سعاده، مثلاً، في مقالات جنون الخلود التي جُمِع بعضها تحت عنوان "الإسلام في رسالتيه"، انتهى عند غالبيّة أعضاء حزبه بعد استشهاده وكأنّ رسالته في هذا الموضوع هي: اقبَلوا بعضكم بعضًا أيّها المحمّديّون والمسيحيّون. فقط لا غير! هكذا، ما عاد سعاده بنظرهم/هنّ نهضويًّا تغييريًّا، ولا عاد حتّى مصلِحًا جذريًّا، بل جعلوا منه بالكاد تصالُحيًّا! ... وعلى نسق من يرعون المصالحات بين العشائر! فتقزّمت النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفنّ التي شدّد عليها سعاده والتي لا تتحقّق إلاّ بنهضة شاملة، وكان هو قدوتها، ممارسةً، من خلال تأسيسه للحزب وزعامته الدستوريّة له، وفكرًا، من خلال محاضراته ورسائله وخطاباته ومقالاته وكتاباته الجليّة في "جنون الخلود" و"الصراع الفكريّ في الأدب السّوريّ" و"نشوء الأمم"، كما تبخّرت فكرة الدِّين الاجتماعيّ الجديد المبني على هذه النظرة والذي ذكره سعاده تحت مسمّيات متنوّعة إنّما واضحة في مضمونها على مدى 17 عامًا.
اكتفت الأحزاب العلمانيّة، مؤسّسات وأعضاء، بأن تنتقد النتيجة، أي تسييس الدِّين، لا أن تواجه السبب، أي تكلّس الدِّين، فسقطت خارج التاريخ، أعني الفعل التاريخيّ، حين أخذ الخطاب الدينيّ الأرعن يعلو من واشنطن إلى تورا بورا، وحضر مارد الأحزاب الدينيّة الطائفيّة، فانتهى ببعض الأحزاب العلمانيّة إلى الانزواء عملاً وتأثيرًا، وببعضها الآخر إلى اسكتزوفرانيا رهيبة في درجتها: خطاب عقائديّ ضدّ الطائفيّة، وفي آن، تحالُف سياسيّ مع الإقطاع الطائفيّ في كلّ منطقة من لبنان للوصول إلى الندوة النيابيّة! تقديم مشروع قانون في المجلس النيابيّ: لبنان دائرة انتخابيّة واحدة مع النسبيّة، وفي آن، الوقوف ضدّه حين طُرح للتصويت!
إن أردنا وضع حدّ للطائفيّة في الاجتماع والسياسة، وجب علينا الخوض في مقاربة جديدة غير مقدَّسة للدِّين، تبدأ بفهم ظاهرته إنسانيًّا اجتماعيًّا، وتدرس مكوّناته الثقافيّة والفنّيّة والتاريخيّة والنفسيّة والاجتماعيّة - الاقتصاديّة. وثمّ علينا أن نهاجِم بها، حبًّا وتربيةً وإعلامًا مسؤولاً ومحاضرات وصراعًا فكريًّا، لا أن نتوَشْوش بها خائفين أو خجلانين أو مُتَّقين!
من ناحية أخرى، لا أعتقد أنّ العلمانيّة تملك حلاًّ سحريًّا بمفردها للمشاكل المركّبة التي تعصف بمناطق مختلفة في العالم ومنها سوراقيا، أو الهلال السّوراقيّ الخصيب. فلا فائدة من علمانيّة مقترنة بنظام رأسماليّ، مثلاً، أو علمانيّة في ظلّ فردانيّة الإنسان وتأليه الذات الفرديّة. لذلك النهضة! لأنّ التغيير المطلوب هو على المستويات كلّها والاتّجاهات كلّها في الوقت نفسه.

 

- ولكن أليست العلمانيّة خطوة أولى؟
• هناك مرض أخشى أن يكون عضالاً ضرب الحركات النهضويّة يدعى المرحليّة، فأقعدها وهمّشها وسخّفها، أو على الأقلّ ساهم في هذه النتائج. الأولويّات هي من ضروريّات الخطط التنفيذيّة، ولكن المفاهيم لا تتمرحل. الأجدى هو توضيح ارتباط اختلاط الدَّين بالدولة بالإقطاع المادّي والنفسيّ بالليبيراليّة الاقتصاديّة بالرأسماليّة المتوحّشة، لأنّ مجابهتها كلٌّ. لا يجدر نسيان التنّين المتعدّد الرؤوس. الإصلاح يتمرحل، ربّما، ولكن ليس النهضات!

- لحّنتم مؤخّرًا نشيد "صوت المارد" للشاعر إيليّا أبو شديد. أخبرنا عن هذا العمل.
• بعد أن اقترحتْ عمدةُ الثقافة التعاون لإنجاز صوت المارد مغنّاة، أنهيت اللحن في أيلول 2010، ووافقَتْ عليه العمدة حينها، ثمّ باشرنا بالتسجيل بعد أن وزّع العمل عبّود السعديّ.
عبّأ أبو شديد، الثائر المتوهّج، قصيدةَ "صوت المارد" فكرًا وعاطفة ومواقف حاسمة، فكان لا بدّ أوّلاً من اختيار أبيات تعبّر عن القصيدة كلّها، وثانيًا تلحينها بأسلوب هو ليس بالنشيد ولكن في الآن نفسه أقوى من أغنية، يتماشى مع أسلوب كتابتها. لم نُرِد أن نذهب بالأغنية إلى الحرب على وقع المارش العسكريّ ونحاسيّاته والصنوج. لذلك، وإلى جانب الآلات الحيّة من قانون وعود وباص غيتار ودرامز وكاتم وغيرها، أدخلنا النحاسيّات الحيّة ولكن بتوزيع غير تقليديّ لها. ثمّ أدّى "صوت المارد" كورس محترف، لا فرد، من أجل إظهار روح الجماعة الكامنة فيها.

- هل ستعملون على نشر هذا النشيد بالطريقة نفسها التي عملتم على نشر أعمالكم السابقة بِها، والتي لم تعطِ أعمالك حقّها؟ أم هنالك خطّة جديدة؟
• "صوت المارد" من حقوق عمدة الثقافة في الحزب، فليس لي حقّ التصرّف بها. أمّا محدوديّة نشر عملَيّ الموسيقيّين - الغنائيّين "شبَه" و"رقص النار"، فمردّها أوّلاً، إلى أنّها من خارج الخطّ العام الذي تتبنّاه وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة المسيطِرة، بل إنّه من الذي تستقصد التعتيم عليه. فمثلاً، من بين الإذاعات كافّة التي قدّمت لها الأسطوانتين، تبثّ أغانيّ إذاعةٌ واحدة هي "صوت الشعب"؛ وثانيًا، تعود محدوديّة التوزيع إلى عدم إتقاني أساليب السوق والتسويق؛ وثالثًا، إلى غياب شركة إنتاج أو توزيع؛ ورابعًا، إلى غياب جهة ثقافيّة - اجتماعيّة مريدة وقادرة تنظيمًا وانتشارًا وفعاليّة وحضورًا على تنظيم حفلات حيّة لمضمونٍ كالتي تحتويه أغانيّ وموسيقاي. وأخيرًا، تقف قدرتي الماديّة منهَكةً عند حدود إنتاج أعمالي!

- إلى مَن تتوجّهون، أنت والقائمون على مشروع النشيد؟
• الفنّ للجميع، والمخاطَب هو الكلّ.

 

 
مقابلة مع الشاعرة سوريا بدور طباعة البريد الإلكترونى
عمدة الثقافة   
الإثنين, 26 مارس/آذار 2012 20:05

1 - ماذا تقولين عن سوريا بدور ولماذا ومتى أرادت أن تكون شاعرة؟
- لماذا، ومتى لا أعلم، فدخولي في هذه المكابدة التي اسمها الشعر لا أعرف له زمنًا محددًا ولا هو وليد إرادة واعية. إنه فطرة وعيتها في ذاتي ربما عندما بدأت تتكون مشاعري بما أشاهد وأسمع في مجتمعي الصغير، فمنذ صغري كنت أحس بأنني معنيّة بكل ما يدور حولي، ما يدفعني للكتابة عن كل شيء بأسلوبي الطفولي البسيط وإخفاء ما كتبت تحت وسادتي كسرٍّ كبير، وكان افتضاح أمري كشاعرة عندما قلّدت أمي وأبي في كتابة قصيدة زجلية بمناسبة الأول من آذار فاكتشفتها أمي وقرأتها لأبي وسط خجلي وارتباكي، وفي المساء احتفلا بي وقرأها أبي للحاضرين وقالت أمي فيّ لقد ولدت لبيتنا شاعرة جديدة.

2- راعية الأيام هي سوريا بدور اليوم، ماذا يعني اليوم أنك شاعرة؟
- يعني أنني شاعرة ترعى أيامها بما أعطيت من حسّ شديد بأوجاع الإنسان في الوطن وفي العالم عمومًا، محاولةً الوصول إلى معادلة بين ما هي عاجزة عن تغييره، وما هي قادرة على اقتحامه. أرعى الأيام في مروج الزمن، وهي بدورها ترعاني بمعنى الافتراس في جوعها الذي لا ينتهي، في راعية الأيام، ديواني الأول، كان طوافي في مجاهل نفسي المضاءة والمعتمة وفي متاهات العالم من حولي حتى الوقوف على باب السماء أقرع وانتظر. وفي ديواني الثاني "أحلام الماء" متابعة لا تنتهي لهذا السؤال الكبير، حول النفس والوطن والعالم، وإذ كنت قد وجدت جوابًا لجزء جوهري من السؤال في انتمائي إلى فكر سعادة وإيماني به، فما زلت أطوف المدارات بحثًا عمّا تبقى من هذا إلى سؤال الكبير، عن روح هذا العالم القلق وعن الذئب الذي لا يعوي مستترًا خلف تلال زماننا.

3- ما هي الروافد التي أغنت وصقلت موهبتك في البدايات والتي عمقتها على مدى الأيام التي رعيتها؟
- هو مناخ الشعر والأدب الذي كان سائدًا في بيتنا. فأبي كان شاعرًا زجليًا وأمي كذلك. فقد قرأت في حداثتي المجلات الرائعة التي كان أبي يحضرها باستمرار، منها مجلة "الأجيال" و"الجيل الجديد" وقد ألهبت مشاعري قصائد نذير العظمة وأدونيس في قصائده الأولى التي تبرأ منها مع الأسف ولكنها بقيت مدماكًا جميلاً في بناء ذاكرتنا، شاء ذلك شاعرها أم أبى، وكذلك مجلة "البيدر" الزجلية التي كان يصدرها الشاعر وليم صعب، وكانت تنشر قصائد الشاعرة الرائدة حنينة ضاهر وسواها، ثم تدرجت إلى قراءة الكتب المتاحة في المنزل متعدية إلى كل ما تقع عليه يدي قبل أن أبدأ بانتقاء ما أقرأ لاحقًا، وكل هذا قد انعكس على مخزوني الذهني الذي ما زلت اغترف منه بشعور أو بلا شعور مني.

4- أين هو برأيك مكان الأدب النسائي على الساحة السورية والعربية؟
- لا أدّعي أنا ولا سواي على ما أعتقد الإحاطة التامة بهذا الأمر، ولكن إذا أردت أن أقول وجهة نظري، فالأدب النسائي، مع ما يحيط بهذه التسمية من إشكالات، قد تخطّى منذ زمن مرحلة التباشير إلى زمن الحصاد الحقيقي. كما أرى أن ساحة الرواية تجتذب المواهب النسائية بنسبة تفوق الإقبال على كتابة الشعر، بل وتتفوق عليه في الكم وفي النوعية أحيانًا. ففي مجال الرواية أسماء كبيرة لم تعد مطروحة للتقييم.
أما إذا استثنينا الرائدات في الشعر كنازك الملائكة وفدوى طوقان على سبيل المثال لا الحصر، فنحن نفتقر اليوم إلى الأسماء الكبيرة وإن كان لدينا الكثير من النتاج الجيد والرائع أحيانًا.
وكم أتمنى لو يكفّ النقاد عن استعمال عبارة "شعر نسوي" كلما كتبت امرأة عن معاناتها وعليهم أن يتذكروا أن المرأة ليست ذاتًا خالصة عندما تكتب، فهي ما زالت "موضوعًا" راهنًا في ظل الظروف القمعية التي تحيط بها، مما ينتج استحالة فصل الذات عن الموضوع في أكثر نتاج الشاعرات.

5- ما هو دور الشعر في الظروف التي تعيشها الأمّة؟

- أرى أن هذا الدور قد تراجع في السنوات الأخيرة مع التغيرات التي حصلت على لغة القصيدة وبُنيتها ومفهوم الشعر بشكل عام ما أحدث مسافة ضبابية بين الشاعر والقارئ الذي يجد نفسه أحيانًا لهثًا وراء معنى لا يستطيع التقاطه، فيرمي بالديوان جانبًا كما اعترف لي بعض الشبان والشابات الذين وجدوا بديلاً للقراءة فيما يقدمه الكمبيوتر من إغراءات، فالقصيدة الحديثة لم تعد ذاتها حداثة الرواد زمن السيّاب والملائكة وخليل حاوي، وحتى جماعة "مجلة شعر" الذين تأثروا بكتاب "الصراع الفكري في الأدب السوري". فأنشودة المطر لم تكن قصيدة لغزًا، وكذلك قصيدة "الجسد" لحاوي، كانت المعاني تصل سافرة على جمال حاصلة على مجاز، فتبعث في النفس ما تبعث حتى أن محمود درويش الذي عاد فغيّر مسار قصائده التي رددها العالم العربي بأسره قال يومًا في إحدى قصائده القديمة:
قصائدنا بلا لون، بلا طعم بلا صوت
إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت
وإن لم يفهم البسطا معانيها
فأولى أن نذريها
ونخلد نحن للصمت
ونحن نعلم أن المسافة شاسعة بين "جواز سفر"، وبين نتاج درويش الأخير.
من هنا أرى أن رأب الصدع بين الشاعر والمتلقي يبدو على شيء من الصعوبة، فلا الشعراء يستطيعون أو يرغبون في المباشرة، ولا القارئ العاجي بقادر على اللحاق بهم إلى أرضهم الجديدة إلا في نطاق محدود من المهتمين والشغوفين. علينا أن نجد مكانًا دقيقًا بين شروط القصيدة الحديثة وإمكانية إيصال إلى القارئ، واعتقد أن الشاعر غسان مطر يقف في قلب هذه المحاولة اليوم.

6- ما هو تأثير القومية الاجتماعية في تحديد المسارات الاجتماعية والفنية؟

- في المسار الاجتماعي أجزم بهذا التأثير، حتى في دوائر غير المنتمين إلى النهضة كتنظيم. فقد تمكنت القومية الاجتماعية من إحداث شرخ عميق في جسم الضمّ الطائفي من خلال زرع وعي جديد لمفهوم الدين ولمعنى المواطنة، حتى أن صفة "طائفي" أصبحت تقارب الشتيمة في المتحدات التي يتواجد فيها القوميون الاجتماعيون، أما في المسار الفني فقد أبرز الفنان زكي ناصيف الذي دخل من الباب الأساسي إلى عالم النهضة معالم تأثير الفكر القومي الاجتماعي في الفن الموسيقى، ومعه توفيق الباشا وحليم الرومي ومحمد شامل التي ظهرت مناقب النهضة في أعمالهم، وهكذا الرحابنة الأوائل فقد دخلوا من الباب الخلفي إلى حديقة سعادة وظهر في أعمالهم مفهومه للإبداع الفني والاغتراف من تراث الأمّة. لقد قال عاصي الرحباني إن الفن ابن الوعي وهكذا قال سعادة من قبل.

7- الكلمة الأخيرة؟

- إن الدواء لأمراض هذا المجتمع في أيدينا، وما علينا سوى امتلاك الوعي والجرأة لتناوله وسنجده سائغًا لذيذًا شافيًا. إنه نهضتنا باختصار.

 
نبذة عن الرفيق الأديب فؤاد سليمان طباعة البريد الإلكترونى
عمدة الاذاعة   
الثلاثاء, 17 يوليو/تموز 2012 15:46
الرفيق فؤاد سليمان، الأديب والكاتب القومي الاجتماعي المنتمي إلى الحزب في أوائل الثلاثينات، معظمنا، إن لم نقل جميعنا، سمع به، إنما معظمنا أيضًا، يجهل الكثير عنه، وقد تكاد معرفتنا به لا تتعدّى اسمه، وبعضًا من مؤلفاته.
هنا إضاءة موجزة عن فؤاد سليمان، للتعريف.
ولد في بلدة فيع في قضاء الكورة، لبنان، عام 1911.
تلقى علومه الابتدائية في مدرسة دير البلمند ثم تخرج من كلية الفرير في طرابلس ودرس الأدب العربي في المعهد الشرقي في جامعة القديس يوسف في بيروت. وتخرج بناءً على أطروحة قدمها عن جبران خليل جبران، وما زالت مفقودة من مخلفاته الأدبية.
انتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي في مطلع عام 1934 وكان الحزب آنذاك سريًا. تسلم مسؤولية ناموس عمدة الإذاعة، وكان عضوًا بارزًا في لجنة الإذاعة والنشر..
بالإضافة إلى نشاطه الإذاعي في الحزب مارس نشاطًا ثقافيًا في الندوة الثقافية المركزية الأولى.
عمل محررًا في جريدة الحزب الرسمية الأولى "النهضة". وكان يكتب في صحف عديدة في فترة الثلاثينات كتابات قومية مدافعًا عن الحق السوري في الإسكندرون وفلسطين، وحاملاً على الرجعيين خدّام الأجنبي المتربعين على كرسي الحكم.
ساهم في صحف أخرى أديبًا وشاعرًا وناقدًا ومحررًا سياسيًا قوميًا اجتماعيًا.
عُرف بإمضاء "تموز" وهو اسم لإله سوري قديم. وكان يوقع به مقطوعاته الأدبية الاجتماعية النقدية التي افتتح بها طريقًا جديدًا في الصحافة.
توفي في الرابع عشر من شهر كانون الأول عام 1951 بعد أشهر عديدة أمضاها في الألم والوجع في مستشفى الجامعة الاميركية.
نعاه القوميون الاجتماعيون في جريدة "الجيل الجديد " الدمشقية:
"البارحة مات في لبنان رفيق لنا. لن نبكيه ولن نتأوّه عليه. ولكن سنرصف مشاعرنا دروبًا لذكراه. وكان وهو يقترب من الموت أشدّ ما يكون تعلقًا ببلاده... بالجبل والسنديانة والضيعة والرفقاء. وكان وهو يلوّح للموت بيديه أو يلوح له الموت أعمق ما يكون إحساسًا بعظمة الحركة القومية الاجتماعية التي تمثل عظمة بلاده."
نعته محطة الإذاعة اللبنانية والصحف السورية في الوطن والمهجر وكتبت فيه وفي أدبه الشيء الكثير.
منحته الحكومة اللبنانية وسام المعارف من الدرجة الأولى تقديرًا لجهوده في خدمة الناشئة اللبنانية.
أقامت له اللجنة الدائمة لتخليد ذكراه حفلة تذكارية في قاعة الاجتماعات العامة في الجامعة الأميركية في 10 شباط 1952 تكلم فيها عدد كبير من الأدباء والشعراء.
بمناسبة الذكرى الثانية لوفاته، أقامت لجنة التخليد حفلة كبرى في 21 أيلول عام 1953 في الساحة العامة في قرية فيع - الكورة مسقط رأسه، حضرها الألوف من المواطنين.
أقام الحزب السوري القومي الاجتماعي حفلة تكريمية له في بلدة فيع - الكورة في أيلول عام 1972.
تولى رئاسة تحرير مجلة "صوت المرأة" عامين كاملين. واستمر نشاطه الصحفي في جريدة "النهار" حيث كانت تصدر مقالاته في زاوية "صباح الخير" وبتوقيع "تموز".
كتبه المطبوعة: درب القمر - أغاني تموز - تموزيات والقناديل الحمراء.
هناك العديد من مقالاته الأدبية الاجتماعية المنشورة في صحف: "النهضة"، "الكشوف"، "المعرض" "صوت المرأة"، "كل شيء" و"النهار"، ما تزال منتظرة من ينفض عنها غبار الإهـمال وينشرها.
له دراسة جامعية عن جبران خليل جبران نال عليها دبلوم في الآداب في جامعة القديس يوسف. وهذه الدراسة مفقودة.
 
مقابلة مع الشاعر غسان مطر طباعة البريد الإلكترونى
عمدة الثقافة   
الإثنين, 26 مارس/آذار 2012 20:03

1- غسان مطر الشاعر، أين يجد الشعر بشكل خاص والثقافة بشكل عام في كيانات الأمّة السورية والعالم العربي؟
أمتنا، منذ القدم، ولاّدة شعراء كبار، ملأت أسماؤهم أسماع التاريخ وأثرت في الثقافات العالمية، خصوصًا في العصرين الأموي والعبّاسي.
وحين كَبَت الأمّة كبوتها الكبيرة بسقوط الحضارة السورية العربية تحت حوافر البربرية المنكوبة، ثم السلطنة العثمانية، تراجع هذا الوهج إلى حدود الانطفاء حتى نهايات القرن التاسع عشر، فكانت اليقظة المتأثرة بالتغيرات الجذرية في أوروبا، ورويدًا رويدًا بدأت تستعيد الأمّة حيويتها الثقافية على المستويين الفكري والأدبي، ومع نهايات الحرب العالمية الأولى عادت الأقمار الوهّاجة تسطع خصوصًا في لبنان وفلسطين والعراق والشام.
واليوم نستطيع الجزم بأن كيانات الأمّة السورية هي من الأغنى بالشعراء المتميزين والمفكرين القابضين على نبض العصر والطماعين إلى تقديم الحلول للمشكلات الإنسانية المعقّدة.
إلا أن المؤسف في أمر الشعراء والمثقفين هو تخلف الأنظمة الرسمية عن رعاية إنتاج المبدعين، وعن الاهتمام بالثقافة عمومًا.

2- إلامَ يعود برأيكم تراجع حال الثقافة في بلدنا؟
في بلادنا، حيث الحرية مقموعة والاستبداد طاغٍ، لا يمكن للمثقّف أن يكون فاعلاً في المجتمع، ذلك أنّ المثقف، بطبيعة رسالته، هو مع الحرية ومناهض لكل تعسّف وتفرّد واستثناء، لذلك تطفو طبقة الانتهازيين وتسود ويبعد المثقفون أو يغتربون.
فالإحساس بالتهميش يمتلك المثقفين، فتغيب فيهم نخوة التصدّي والمواجهة، ويفتقدون المؤسسات الحاضنة لأفكارهم ورؤاهم والمؤدية إلى تقدم المجتمعات ورقيها.
يضاف إلى هذا الإهمال الرسمي المنهجي للثقافة بسبب أمّية الحكام من جهة، وانغلاقهم على مفاهيم التطور والحداثة من جهة ثانية، هذا كله يجعل من بلادنا مقبرة الثقافة بامتياز. ولا أمل في عودة الثقافة إلى توهّجها وقيادة مجتمعاتنا من دون تبدل جذري في الحياة السياسية، وهذا التبدل لا يكون الا بمجتمع جديد نهضوي رؤيوي معافى من الأمراض التي تحكم حياتنا منذ أزمنة الانحطاط.

3- سورية تاريخيًا أثرت العالم بنتاجها الفني والأدبي، لماذا هي اليوم، مجرد مستهلكة ومقلدة للفنون الغربية؟
سورية اليوم جسم مريض يعاني من التفكك والتخلف والتبعية والمصالح الفئوية المدمرة، وسورية ما لم تنهض على أسس الوحدة والحداثة وعلى قيم الحق والخير، وتصبح قادرة على تقرير مصيرها بنفسها، لن تتمكن من احتلال الموقع الذي يليق بتاريخها العظيم وبشعبها الرائد.
إن نظرة سريعة إلى وقائع الكيانات السورية تكفي لقراءة ما تتخبط فيه هذه الكيانات من أورام خبيثة قاتلة لعل أخطرها الانقاسامات التي تمعن في تجزئة المجزّأ وتفتيت ما تبقّى من أطلال الوحدة المجتمعية.
فإذا أضفنا إلى هذا الواقع المرير الاغتصاب اليهودي الصهيوني لفلسطين، وغياب المشروع القومي القادر على التحرير، وارتهان قادة أكثرية الكيانات للغرب حفاظًا على الكراسي والعروش، تكتمل صورة العجز المهين، ويصبح من البديهي أن تتحوّل سوريا إلى مستهلِكة ومقلِّدة رديئة لما تجود به الأمم الأخرى الحاضرة على ساحة الحياة والصراع.

4- ألا تعتبرون أن الشعراء اليوم يتحملون مسؤولية عدم وصولهم إلى نسبة كبيرة من القراء / المتلقين، من خلال اعتمادهم الطرائق والمدارس الغربية، وبخاصة في مجال الإغراق في الغموض؟
ليس سرًا أن غياب المعايير في أي شأن من شؤون الحياة يؤدي إلى الفوضى. وعندما انطلقت حركة الحداثة في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية، استندت استنادًا أعمى إلى نظريات أوروبية متجاهلة أن ما قد يصبح هناك قد لا يصبح بالضرورة عندنا. فلكل شعب هوية ثقافية خاصة به، ولكل أمّة تراث خاص بها ، وبهذا المعنى فالحداثة حداثات وليست ثوبًا واحدًا يصلح لكل الأجسام والأحجام.
هذا التقليد لنظرة الغرب للحداثة أدّى إلى غياب المعايير والضوابط، وإلى فلتان "شعري" اختلط فيه الجيد بالرديء، وشاعت نظرية قتل الأب (التراث) على أنها هي أساس الحداثة، لكن القتلة لم يكتفوا بقتل الأب بل أبادوا النسل كله، وصار كل غريبٍ غامض شعرًا حديثًا، مما أدّى إلى نفور القارئ العاجز عن دخول السراديب الملوّثة والكلام الغوغائي الذي لا يقول شيئًا.
هذه الحال يتحمل مسؤوليتها من ادّعوا أنهم روّاد حداثة، واتّخذوا لهم أتباعًا ومريدين من المفلسين العاجزين عن كتابة القصيدة، السطحيي الثقافة والوعي، المزيفين لغةً وانتماءً وهويّةً، الراغبين في الظهور، بأي ثمن ولو كان ذلك على جثة الحداثة الحقيقية المستندة إلى المعرفة وفهم التراث، وهوية الأمّة وشخصيتها.

5- ما واقع دُور النشر في كيانات الأمّة، وبخاصة في لبنان، فالحديث اليوم يتمحور حول تحولها من حمل همّ الثقافة إلى التجارة والربح؟
لنعترف بأن دور النشر في كل أرض ليست مؤسسات خيرية، أنها مؤسسات تجارية في المضمون، وكلها تتعاطى الثقافة بصفتها تصنّع الكتاب وتقدمه خبزًا شهيًا لقارئ.
لكن المفارقة اليوم هي لأن الفوضى تضرب قطاع النشر كما تضرب قطاع الكتابة. ثمة دُور نشر لا ترضى بنشر أي نصّ إلا بعد قراءته والاقتناع بجودته وفنّيته، وثمة دُور أخرى تطبع كل شيء وأي شيء من دون التوقف عند القيمة والأبعاد الإبداعية. وبغياب الرقابة والمسؤولية يختلط الغثّ بالثمين ، هنا نسأل عن دور وزارة الثقافة في مراقبة ما ينشر ويوضع بين أيدي القراء على أنه أدب وهو من الأدب براء.
في لبنان دور نشر تتبنى النصّ أي أنها لا تطبعه على نفقتها وتوزعه وتسوقه، ودور نشر تكتفي بالطباعة على أن يدفع صاحب النص تكاليف الطباعة ويتولى هو التوزيع التسويق.
هذه الظاهرة موجودة في كل بلدان العالم، ولكن تبقى على دور النشر المسؤولية، بل أن تتحملها الجهات الرسمية والخاصة التي من واجبها مكافحة الفساد في كل شيء، خصوصًا في الإبداع.

6- بوصفكم أمينًا عامًا سابقًا لاتّحاد الكتاب اللبنانيين، ما الذي يقدمه الاتحاد للأدباء، في مواجهة الاتجاه التجاري لدى دور النشر، وبخاصة الشباب منهم؟
اتّحاد الكتاب اللبنانيين مؤسسة ذات طموحات كبيرة وإمكانات متواضعة، هي تسعى لأن تكون المرجعية الثقافية الأولى في لبنان، وأن تتعاطى مع الاتحادات العربية من موقع القدرة والتميز والريادة.
لكن يحول دون أن يتمكن اتحاد الكتاب من لعب هذا الدو. إن الاتحاد مستقل استقلالاً تامًا عن الدولة والقوى السياسية القادرة، وهذا ما يجعله مستهدفًا من قبل هذه القوى.
فالاتحاد لا يملك من الموارد سوى اشتراكات أعضائه وهي رمزية، ومساهمة خجولة من وزارة الثقافة لا تكفى كبدل إيجار لمكتبه المتواضع.
وعلى الرغم من ذلك، فإن اتحاد الكتاب اللبنانيين يرعى المواهب الشابة الواعدة، ويطبع نصوصها، ويقدم لها اسمه ومنابره، وينسبها إليه لتكون الدم والجديد الذي يعطي الاتحاد حيوية إضافية. هذا فضلاً عن المساعدات التي يقدمها لكل مبدع إذا استطاع إلى ذلك سبيلا.
7- سؤال لا بدّ منه: ما دور الفكر القومي الاجتماعي في نتاج وتجربة غسان مطر الشعرية؟
ليس غسان مطر وحده مَن تأثر بالفكر النهضوي الجديد الذي أرساه المؤسس والقائد والقدوة أنطون سعادة، بل أستطيع الجزم بأن حركة الحداثة في الأمّة السورية والعالم العربي هي واحدة من الظاهرات الرائعة التي ولّدها هذا الفكر ووجّهها وفجّرها أدبًا جديدًا برؤيةٍ عصرية لا سابق لها.
أما تجربتي الشخصية فهي بِنتٌ شرعية لهذا الفكر الذي التزمتُ به منذ بدء تفتح وعيي السياسي، ليس من حيث الموضوع فحسب بل من حيث اللغة والرؤى والمفاهيم.
الأدب والمناظرة لا الأدب المرآة، وهو ما طرحه سعادة في مؤلفة الصراع الفكري في الأدب السوري، وهذا المفهوم الجديد قد طبع نتاج كل المثقفين المتميزين في الحزب وخارجه، وفي كل شؤون الفن رسمًا ونحتًا وموسيقى وشعرًا وقصة وفكرًا ونقدًا.
على ضوء هذا المفهوم كتبت وصرخت ونزفت وحملت، وشاهدي أني أحمل في كل نصوصي هم الأرض والإنسان والحرية، وحلم الفجر الآتي على يدي فتى الربيع والأمناء من مريديه.

8- كلمة أخيرة للقوميين الاجتماعيين وللمواطنين في الوطن وعبر الحدود؟
كلمتي الثابتة: أعيدوا قراءة ما كتب المعلم في الفلسفة والسياسة والأدب، مرّات ومرّات، لتكتشفوا كم كان هذا العظيم رؤيويًا ولتتيقنوا من أن تعاليمه وحدها هي طريق الخلاص.

 
« البداية السابق 9 8 7 6 5 4 3 2 1 التالى النهاية »

الصفحة 1 من 9
الدخول



الرسائل الاكترونية

الاسم:

البريد الالكتروني:

تبرعات
لتبرعاتكم : Account Number: USD 001 180 0007183 00 1

IBAN: LB33 0053 0024 0011 8000 0718 3001 SWIFT: C L B L B B X